فقد أخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال: وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة فنفذ الخردل فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر فتفطر ابنه. فسبحان من يعز ويذل ، ويغني ويفقر ، ويشفي ويمرض ، ويرفع من يشاء وإن كان عبداً فلا بدع أن يخص محمداً صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها ، ولما ذكر سبحانه ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأوّل الذي لم يشركه في إيجاده أحد وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة أتبعه وصيته سبحانه للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني بالسببية في وجوده بقوله تعالى:
{ووصينا الإنسان بوالديه} أي: أمرناه أن يبرهما ويطيعهما ويقوم بهما ، ثم بين تعالى السبب في ذلك بقوله تعالى: {حملته أمه وهناً} أي: حال كونها ذات وهن بحمله وبالغ في جعلها نفس الفعل دلالة على شدّة ذلك الضعف {على وهن} أي: ضعف الحمل ، وضعف الطلق ، وضعف الولادة ، ثم أشار إلى ما لها عليه من المنة بعد ذلك بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئاً بقوله تعالى: {وفصاله} أي: فطامه من الرضاعة بعد وضعه {في عامين} تقاسي فيهما في منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى ، فإن قيل وصى الله تعالى بالوالدين وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه أكثر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ ؟