ومعلوم أن الله تعالى قيُّوم أي: قائم على أمر الخلَقْ كله في كل وقت ، والدليل على ذلك هذه المعجزات التي خرقتْ النواميس لتدلّ على صِدْق الرسل في البلاغ عن الله ، كما عرفنا في قصة إحراق إبراهيم - عليه السلام - فلو أن المسألة إنجاء إبراهيم من النار لما مكّنهم الله منه ، أو مكَنهم منه ومن إلقائه في النار ، ثم أرسل على النار سحابة تُطفِئها .
لكن أراد سبحانه أن يشعلوا النار ، وأنْ يُلقوا بإبراهيم فيها ، ومع ذلك يخرج منها سالماً ليروْا بأعينهم هذه المعجزة الخارقة لقانون النار ليكبتهم الله ، ولا يعطيهم الفرصة ليخدعوا الناس ، ولو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم لوجودا هذه الفرصة ولقالوا: لو أمسكنا به لفعلنا به كذا وكذا .
ومعنى {بِغَيْرِ عِلْمٍ . .} [لقمان: 20] العلم أن تعرف قضية وتجزم بها ، وهي واقعة وتستطيع أنْ تُدلِّل عليها ، فإنْ كانت القضية التي تؤمن بها غير واقعة ، فهذا هو الجهل ، فالجاهل لا يوضع في مقابل العالم ؛ لأن الجاهل لديه علم بقضية لكنها باطلة ، وهذا يتعبك في الإقناع ؛ لأنه ليس خالي الذهن ، فيحتاج أولاً لأنْ تُخرج من ذهنْه القضية الباطلة وتُحلِ محلها القضية الصحيحة ، أما الأُميّ فهو خالي الذِّهن من أي قضيةَ .
فإنْ كانت القضية التي تجزم بها واقعة لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها ، كالولد الصغير الذي علمناه أن (الله أحد) واستقرتْ في ذهنه هذه المسألة ؛ لأن أباه أو معلمه لقَّنه هذه القضية حتى أصبحتْ عقيدة عنده ، فالذي يُدلِّل عليها مَنْ لقنّها له إلى أنْ يكبر ، ويستطيع هو أن يُدلِّل عليها .
والعلم أنواع ، منها وأولها: العلم البدهي الذي نصل إليه بالبديهة دون بحث ، فمثلاً حين نرى الإنسان يتنفس نعلم أنه حيٌّ بالبديهة ، ونعلم أن الواحد نصف الاثنين ، وأن السماء فوقنا ، والأرض تحتنا . . الخ .