ثم إن سيئة واحدة يعرفها الناس عنك كفيلة بأن تُزهَّدهم في كل حسناتك ، والله تعالى يريد أنْ ينتفع الناس بعضهم ببعض ليثرى حركة الحياة .
ثم يقول تعالى: {وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [لقمان: 20]
المجادلة: الحوار في أمر ، لكل طرف فيه جنود ، وكل منهم لا يؤمن برأي الآخر ، والجدل لا يكون إلا في سبيل الوصول إلى الحقيقة ، ويسمونه الجدل الحتمي ، وهذا يكون موضوعياً لا لَددَ فيه ، ويعتمد على العلم والهدى والكتاب المنير ، وفيه نقابل الرأي بالرأي ليثمر الجدال .
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ ...} [العنكبوت: 46] أما الجدل الذي يريد فيه كل طرف أنْ يُعلي رأيه ولو بالباطل فهو مماراة وسفسطة لا توصل إلى شيء .
والجدل مأخوذ من الجَدْل أي الفَتْل ، والشيء حين يُفتل على مثله يقويه ، كذلك الرأي في الجدل يُقوِّي الرأي الآخر ، فإذا ما انتهيا إلى الصواب تكاتفا على إظهاره وتقويته ، فالجدل المراد به تقوية الحق وإظهاره .
فإنْ كان الجدل غير ذلك فهو مماراة يحرص فيها كل طرف على أن يعلي رأيه ولو بالباطل .
والحق سبحانه يبين لنا أن من الناس من أِلفَ الجدل في الله على غير علم ولا هُدىً ولا كتاب منير ، فيقولون مثلاً في جدالهم: أللكون إله موجود؟ وإنْ كان موجوداً ، أهو واحد أم متعدد؟ وإنْ كان موجوداً أيعلم الجزئيات أم الكليات؟ أيزاول مُلْكه كل وقت؟ أم أنه خلق القوانين ، ثم تركها تعمل في الكون وتُسيِّره؟ كأن الله تعالى زاول سلطانه في الملْك مرة واحدة .