لذلك نقول: من أدب العلماء أنْ يقولوا اكتشفنا لا اخترعنا ؛ لأن آيات الله ونِعَمه مطمورة في كونه تحتاج لمن يُنقِّب عنها ويستنتجها مما جعله الله في كونه من معطيات ومقدمات .
وسبق أنْ قلنا: إن كل سرٍّ من أسرار الله في كونه له ميلاد كميلاد الإنسان ، فإذا حان وقته أظهره الله ، إما ببحث العلماء وإلا جاء مصادفة تكرُّماً من الله تعالى على خَلْقه الذين قَصُرَت جهودهم عن الوصول إلى أسراره تعالى في كونه .
وفي هذا إشارة مقدمة لنْ نؤمن بالغيب الذي أخبرنا الله به ، فما دُمْنا قد رأينا نِعَمه التي كانت مطمورة في كونه فينبغي علينا أنْ نؤمنَ بما يخبرنا به من الغيب ، وأنْ نأخذَ من المُشاهَد دليلاً على ما غاب .
واقرأ في هذه المسألة قول الله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ...} [البقرة: 255] أي: شاء سبحانه أنْ يوجد هذا الغيب ، وأن يظهر للناس بعد أنْ كان مطموراً ، فإنْ صادف بحثاً جاء مع البحث ، وإنْ لم يصادف جاء مصادفة وبلا أسباب ، بدليل أنه نسب إحاطة العلم لهم .
أما الغيب الذي ليس له مُقدِّمات توصل إليه ، ولا يطلع عليه إلا الله فهو المعنيّ بقوله تعالى: {عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ...} [الجن: 26 - 27]
وقال سبحانه: {ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . .} [لقمان: 20] لأن الظاهرة تلفتنا إلى الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى ، والباطنة يدخرها الله لمن يأتي بعد ، ثم يدخر ادخاراً آخر ، بحيث لا يظهر إلا حين نكون مع الله في جنة الله .