أما إذا رأيتَ قصوراً في ناحية ، فالقصور من ناحية الخَلْق في أنهم لم يستنبطوا من معطيات الكون ، أو استنبطوا خيرات الكون ، لكن بخلوا بها وضنُّوا على غيرهم ، وهذه هي آفة العالم في العصر الحديث ، حيث تجد قوماً قعدوا وتكاسلوا عن البحث وعن الاستنباط ، وآخرين جدُّوا ، لكنهم بخلوا بثمرات جدهم ، وربما فاضتْ عندهم الخيرات حتى ألقَوْها في البحر ، وأتلفوها في الوقت الذي يموت فيه آخرون جوعاً وفقراً .
إذن: فآفة العالم ليس في أنه لا يجد ، إنما في أنه لا يحسن استغلال ما يجد من خيرات ، ومن مُقوِّمات لله تعالى في كونه . فقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . .} [لقمان: 20] هذه حقيقة لا ينكرها أحد ، فهل تنكرون أنه خلقكم ، وخلق لكم من أنفسكم أزواجاً منها تتناسلون؟
هل تنكرون أنه خلق السماوات بما فيها من الكواكب والمجرَّات ، وخلق الليل فيه منامكم ، والنهار وفيه سعيكم على معايشكم؟ ثم في أنفسكم وما خلقه فيكم من الحواس الظاهرة وغير الظاهرة ، وجعل لكل منها مجالاً ومهمة تؤديها دون أنْ تشعر أنت بما أودعه الله في جسمك من الآيات والمعجزات ، وكل يوم يطلع علينا العلم بجديد من نِعَم الله علينا في أنفسنا وفي الكون من حولنا .
فمعنى {ظَاهِرَةً . .} [لقمان: 20] أي: التي ظهرتْ لنا: {وَبَاطِنَةً . .} [لقمان: 20] لم نصل إليها بعد ، ومن نِعَم الله علينا ما ندركه ، ومنها ما لا ندركه .
تأمل في نفسك مثلاً الكليتين وكيف يعمل بداخلك وتصفي الدم من البولينا ، فتنقيه وأنت لا تشعر بها ، وأول ما فكر العلماء في عمل بديل لها حال فشلها صمموا جهازاً يملأ حجرة كبيرة ، كانت نصف هذا المسجد من المعدات لتعمل عمل الكليتين ، ثم تبين لهم أن الكُلْية عبارة عن مليون خلية لا يعمل منها إلا مائة بالتناوب .