لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما مَرَّ بغلام صغير يلعب بعصفور أراد أنْ يُعلِّمه درساً وهو ما يزال (عجينة) طيِّعة ، فأقنعه أنْ يبيعه العصفور ، فلما اشتراه عمر وصار في حوزته أطلقه ، فقال الغلام: فو الله ما قَصَرْتُ بعدها حيواناً على الأنس به .
وسبق أنْ تكلمنا عن مسألة التسخير ، وكيف أن الله سخر الجمل الضخم بحيث يسوقه الصبي الصغير ولم يُسخِّر لك مثلاً البرغوث فلو لم يُذلِّل الله لك هذه المخلوقات ويجعلها في خدمتك ما استطعت أنت تسخيرها بقوتك .
وقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً . .} [لقمان: 20] أسبغ: أتمّ وأكمل ، ومنها قوله تعالى عن سيدنا داود: {أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ ...} [سبأ: 11] أي: دروعاً ساترة محكمة تقي لابسها من ضربات السيوف وطعنات الرماح ، والدروع تُجعل على الأعضاء الهامة من الجسم كالقلب والرئتين ، وقد علَّم الله تعالى داود أن يصنع الدروع على هيئة الضلوع ، ليست ملساء ، إنما فيها نتوءات تتحطم عليها قوة الضربة ، ولا تتزحلق فتصيب مكاناً آخر .
ورُوِي أن لقمان رأى دواد - عليه السلام - يعجن الحديد بين يديه فتعجب ، لكنه لم يبادر بالسؤال عما يرى وأمهله إلى أن انتهى من صنعته للدرع ، فأخذه ولبسه وقال: نِعْمَ لَبُوس الحرب أنت ، فقال لقمان: الصمت حُكْمٌ وقليل فاعله فظلت حكمة تتردد إلى آخر الزمان .
فمعنى أسبغ علينا النعمة: أتمها إتماماً يستوعب كل حركة حياتكم ، ويمدكم دائماً بمقوِّمات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء ، لا في استبقاء الحياة ، ولا في استبقاء النوع ؛ لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق .