فلذلك الغناء الذي سبق تحديده باطل ولكنه لا يحرم.
سئل القاسم بن محمد - رضي الله عنه - عن الغناء أحرام هو؟ فسكت.
ثم سئل، فقال: الحرم ما حرم الله تعالى في كتابه.
ولكنه أخبرني: إذ كان يوم القيامة فأتى إلى الله بالحق والباطل، أين الغناء؟ قال السائل: في الباطل فقال فأنت إذا خالفت نفسك فإن أفضل الغناء المباح لغرض صحيح، مثل أن يكون برجل وحشة وعلة عارضة لفكره فأشار عدد من الأطباء بأن رسول الله الساكن بالنزهة، ويعني ليتفرج لذلك وينشرح صدره ارتفع اسم الباطل، وكان اسم الحق أولى به.
ألا ترى أن ضرب من الغناء، ولكنه لما كانت له فائدة معقولة، وهو تنشيط الأبل للسير زال عنه اسم الباطل.
وما يراد به إستصلاح نفس الإنسان وفكره أولى أن يزول عنه اسم الباطل، والله أعلم.
وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلاماً نثراً غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثوراً أحل أن يتكلم به منظوماً.
وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثوراً لم يحل أن يستعمل منظوماً، وبالله التوفيق.
ثم قد جاءت في تغليظ أمر الغناء أخبار، وكلها عندنا محمولة على ثلاثة أوجه:
أحدها: الغناء المحرم الذي سبق ذكره.
والآخر: الغناء الحلال غنيه إذا طال ودام وشغل عن الصلاة.
والثالث: الغناء الحلال غنيه إذا اتصل به المزاهر والصنوج، وما يجري مجراها.
وما خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو خارج مما جاء التغليظ فيه.
من تلك الأخبار ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قول الله - عز وجل - {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} قال: الغناء، والذي لا إله غيره يقولها ثلاث مرات.
ويحتمل إن كان المراد به الغناء أن يكون المشتري لهذا الحديث، وهو الذي يوضح للمغني لنفسه، ويحتمل أن يكون الذي يوضح لمن يعلمه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: هو الغناء وأشباهه.
وروي عن ابن عباس رضي عنهما قال: المغني وشري المغنية، فإن كان الشرى داخلاً في الآية، فشرى اللهو إذا مختار.
والمغني من الناس من يشتري لهو الحديث، فجعله مشترى للهو لما كان قصده فيمن يشتريه اللهو الذي عنده.