وكذلك أباحوا الأناشيد التي تقال لتلهب حماس الجنود في الحرب ، أو التي ينشدها العمال ليطربوا بها أنفسهم وينشغلوا بها عن متاعب العمل ، أو المرأة التي تهدهد ولدها لينام .
ومن ذلك حداء الإبل لتسرع في سيرها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة:"رفقاً بالقوارير"فشبَّه النساء في لُطفهن ورقّتهن بالقوارير ، فإذا ما أسرعتْ بهن الإبل هُزَّت بهن الهوادج ، وهذا يشقُّ على النساء .
إذن: لا مانع من كل نصٍّ له غرض نبيل ، أما إنْ أهاج الغرائز فهو حرام - والكلام هنا عن مجرد النص - لأن الخالق سبحانه يعلم طبيعة الغرائز في البشر ؛ لذلك نسميها غريزة ؛ لأن لها عملاً وتفاعلاً في نفسك بدون أيِّ مؤثرات خارجية ، ولها طاقة لا بُدَّ أنْ تتحرك ، فإنْ أثرْتَها أنت ثارتْ ونزعتْ إلى ما لا تُحمدَ عُقْباه .
وسبق أن أوضحنا أن مراتب الشعور ثلاث: يدرك بحواسه ، ثم وجدان يتكوَّن في النفس نتيجة للإدراك ، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان .
ومن رحمة الله بنا أن الشرع لا يتدخل في هذه المسألة إلا في مرحلة النزوع ، فيقول لك: قِفْ لا تمدّ يدك إلى ما ليس لك: ومثَّلنا لهذه المسألة بالوردة تراها في البستان ، ويُعجبك منظرها ، وتجذبك رائحتها فتعشقها وهذا لك ، فإن مددْتَ يدك لتقطفها يقول لك الشارع قِفْ ليس من حقك .
إذن: فالشارع الحكيم لا يتدخَّل في مرحلة الإدراك ، ولا في المواجيد إلا في مسألة واحدة لا يمكن الفصل فيها بين الإدراك والوجدان والنزوع ، لأنها جميعها شيء واحد ، إنها عملية نظر الرجل إلى المرأة التي لا تحل له ، لماذا هذه المسألة بالذات؟