فآية سورة العنكبوت التي قدمت اللهو على اللعب تعني أن أمور الاشتغال بغير الدين قد بلغت مبلغاً ، وأن الفساد قد طمَّ واستشرى الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب ، فهذه أبلغ في المعنى من تقديم اللعب ؛ لأن اللعب لم يُلهه عن شيء .
لكن ، ما اللهو الذي اشتروه ليصرفوا الناس به عن الحق وعن دعوة الإسلام؟ إنهم لما سمعوا القرآن فيه قصصاً عن عاد وثمود ، وعن مدين وفرعون . . الخ ، فأرادوا أنْ يشغلوا الناس بمثل هذه القصص .
وقد ذهب واحد منهم وهو النضر بن الحارث إلى بلاد فارس وجاءهم من هناك بقصص مسلية عن رستم وعن الأكاسرة وعن ملوك حِمْيَر ، اشتراها وجاء بها ، وجعل له مجلساً يجتمع الناس فيه ليقصّها عليهم ، ويصرفهم بسماعها عن سماع منطق الحق في رسول الله .
وآخر يقول: بل جاء أحدهم بمغنية تغنيهم أغاني ماجنة متكسرة .
ومعنى: {لَهْوَ الحديث} [لقمان: 6] قال العلماء: هو كل ما يُلهي عن مطلوب لله ، وإنْ لم يكُنْ في ذاته في غير مطلوب الله لَهْواً ، وعليه فالعمل الذي يُلهي صاحبه من صناعة أو زراعة . . الخ يُعَدُّ من اللهو إنْ شغله مثلاً عن الصلاة ، أو عن أداء واجب لله تعالى .
ومن التصرفات ما يُعَدُّ لهواً ، وإنْ لم يشغلك عن شيء كالغناء ، وللعلماء فيه كلام كثير خاصة بعد أنْ صاحبته الموسيقى وآلات الطرب والحركات الخليعة الماجنة ، ولفقهائنا القدامى رأيهم في هذا الموضوع ، لكن العلماء المحدثين والذين يريدون أنْ يُجيزوا هذه المسألة يأخذون من كلام القدماء زاوية ويُطبِّقونها على غير كلامهم .
نعم ، أباح علماؤنا الأُنْس بالغناء في الأفراح وفي الأعياد اعتماداً على"قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الذي رأى جاريتين تغنيان في بيت رسول الله فنهرهما ، وقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم:"دعهما ، فإننا في يوم عيد"."