والخلاصة: إذا ضربتم .. ضربتم بالسياط ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم بلا استحقاق؛ أي: إنكم قوم قساة غلاظ الأكباد ذووا جبروت وعتو، فإذا عاقبتم عاقبتم دون شفقة ولا رأفة، وخلاصة ما قال: إن أفعالكم تدل على حب الدنيا، وعلى الكبرياء والتسلط على الناس بجبروت وعسف.
131 -ثم لما وصفهم بهذه الأوصاف القبيحة الدالة على الظلم والعتو والتمر والتجبر .. أمرهم بالتقوى، فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ} سبحانه وتعالى؛ أي: خافوا عقاب الله سبحانه، واتركوا هذه الأفعال الذميمة من بناء الأبنية العالية، واتخاذ الأمكنة الشريفة، وإسراف المال في الحياض والرياض، والبطش بغير حق {وأطيعونـ} ـي فيما أدعوكم إليه من التوحيد والعدل والإنصاف، وترك الأمل ونحوها، فإنه أنفع لكم وأجدى.
132 -ثم وصل العظة بما يوجب قبولها بالتنبيه إلى نعم الله التي غمرتهم وفواضله التي عمتهم، وذكرها أولًا مجملة ثم فصلها؛ ليكون ذلك في نفوسهم، فيحتفظوا بها، ويعرفوا عظيم قدرها، فقال: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ} ؛ أي: وخافوا عقاب الله الذي أعطاكم {بِمَا تَعْلَمُونَ} مما لا خفاء فيه عليكم من أنواع النعم الحاصلة لكم، أجملها هود عليه السلام أولًا،
133 -ثم فصلها بقوله: {أَمَدَّكُمْ} وأنعمكم {بِأَنْعَامٍ} من الإبل والبقر والغنم. وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد {وَبَنِينَ} ذكور، ولم يذكر البنات؛ لأنها لا تعد عندهم من النعم، كما في قوله: ما هي بنعم الولد
134 - {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) } ؛ أي: بساتين وأنهار وأبيار، والمعنى؛ أي: واتقوا عقاب الله بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فابتعدوا عن اللعب واللهو وظلم الناس والفساد في الأرض، واحذروا سخط من أعطاكم من عنده ما تعلمون من الأنعام والبنين والبساتين والأنهار، تتمتعون بها كما شئتم حتى صرتم مضرب الأمثال في الغنى والثروة والزخرف والزينة، فاجعلوا كفاء هذا عبادة من أنعم بها، وتعظيمه وحده.