128 -ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان .. أتبعه بإنكار بعض ما هم عليه، فقال: {أَتَبْنُونَ} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري {بِكُلِّ رِيعٍ} - بكسر الراء وفتحها - جمع ريعة، كذلك؛ أي في كل مكان مرتفع {آيَةً} ؛ أي: بناء عاليًا متميزًا عن سائر الأبنية تفاخرًا حال كونكم {تَعْبَثُونَ} تلعبون ببنائه، فإن بناء ما لا ضرورة فيه، وما كان فوق الحاجة، عبث. وقيل: المعنى؛ أي: تبنون بكل مكان مرتفع علامة تعبثون فيها بمن يمر بكم وتسخرون منهم؛ لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق، فتؤذون المارة وتسخرون منهم. قال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم، حكاه الماوردي. وقيل: إنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة؛ ليعرف بذلك غناهم تفاخرًا.
129 - {وَتَتَّخِذُونَ} ؛ أي: وتجعلون لأنفسكم {مَصَانِعَ} وحياضًا عظيمة ومخازن للماء تحت الأرض تجمعون فيها ماء المطر ونحوه {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ؛ أي: راجين أن تخلدوا في الدنيا؛ أي: عاملين عمل من يرجو ذلك، فلذلك تحكمون بناءها. وقيل: {لعل} هنا للتشبيه؛ أي: كأنكم تخلدون. وقيل: للاستفهام التوبيخي؛
أي: هل أنتم تخلدون في الدنيا. قال أبو حيان: الظاهر أن {لعل} على بابها من الرجاء وكأنه تعليل للبناء والاتخاذ؛ أي: الحامل لكم على ذلك هو الرجاء للخلود، ولا خلود. وفي قراءة عبد الله {كي تخلدون} ، وفي حرف أبي: {كأنكم تخلدون} ، وقرئ {كأنكم خالدون} . وقرأ الجمهور {تخلدون} مبنيًا للفاعل، وقتادة مبنيًا للمفعول، وقرأ أبي وعلقمة وأبو العالية مبنيًا للمفعول مشددًا ومخففًا مع ضم التاء.
130 - {وَإِذَا بَطَشْتُمْ} ؛ أي: إذا أخذتم بالعقوبة على أحد بأن ضربتم أحدًا بسوط، أو قتلتم بالسيف {بَطَشْتُمْ} ؛ أي: فعلتم ذلك حالة كونكم {جَبَّارِينَ} ؛ أي: متسلطين ظالمين بلا رأفة ولا قصد تأديب، ولا نظر في العاقبة، فأما بالحق والعدل فالبطش جائز، والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب، وهو مذموم في وصف البشر.
والحاصل: أنهم أحبوا العُلُوَّ وبقاء العُلُوِّ، والتفرد بالعلوِ، وكل ذلك ينبه على أن من حب الدينار رأس كل خطيئة، وعنوان كل معصية.