لم تعدد الآية ما أمدنا الله به ، وتركتْ لنا أن نُعدِّده نحن ؛ لأننا نعرفه جيداً ونعيشه ، وندركه بكل حواسِّنا ومداركنا ، فما من آلة عندك إلا وتحت إدراكها نعمة لله ، بل عدة نِعَم ، فالعين ترى المناظر ، والأذن تسمع الأصوات ، والأنف يشم الروائح ، واليد تبطش . . إلخ .
{أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء: 132] فقولوا أنتم واشهدوا على أنفسكم وعَدِّدوا نِعَم ربكم عليكم .
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133)
المراد الأنعام: الضأن والماعز والإبل والبقر ، ثمانية أزواج .
وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134)
فإنْ قلت: فنحن نمرُّ بديارهم ، فلا نرى إلا خلاءً تسْفُو فيه الرياح ، نعم لقد كانت لهم جنات وعيون هي الآن تحت أطباق التراب {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم: 98] .
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)
أي: أن تقوى الله وطاعته لا تعَدُّ شكراً على نعمه فحسب ، إنما أيضاً تكون لكم وقاية من عذاب الآخرة ، فلا تظنوا أنكم أخذتُم نِعَم الله ، ثم بإمكانكم الانفلات منه أو الهرب من لقائه ، فالقاؤه حق لا مفرَّ منه ، ولا مهرب ، فإنْ لم تَخَفْ السابق من النعم ، فخَفِ اللاحق من النِّقَم .
فماذا كان ردّهم على مقالة نبيِّهم وموعظته لهم؟ {قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ}
وقولهم {أَوَعَظْتَ} [الشعراء: 136] دليل على أن الحق لا بُدَّ أن يظهر ، ولو على ألسنة المكابرين ، ولا يكون الوعظ إلا لمَنْ علم حكماً ، ثم تركه ، فيأتي الواعظ ليُذكِّره به ، فهو إذن مرحلة ثانية بعد التعليم ، فهذا القول منهم اعتراف ودليل أنهم علموا المطلوب منهم ، ثم غفلوا عنه .