اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الصَّانِعِينَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} لِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَخْلُقُ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ يَخْلُقُ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ صَانِعٍ خَالِقًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الكامل]
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
وَيُرْوَى:
وَلَأَنْتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وَبَعْـ ... ــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ بَعْدِ إِنْشَائِكُمْ خَلْقًا آخَرَ وَتَصْيِيرِنَاكُمْ إِنْسَانًا سَوِيًّا مَيِّتُونَ وَعَائِدُونَ تُرَابًا كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَعَوْدِكُمْ رُفَاتًا بَالِيًا مَبْعُوثُونَ مِنَ التُّرَابِ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا بَدَأْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حَالٍ لَهُمْ يَحْدُثُ لَمْ يَكُنْ. وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ لَمْ يَمُتْ: هُوَ مَائِتٌ وَمَيِّتٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَلَا يَقُولُونَ لِمَنْ قَدْ مَاتَ مَائِتٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ طَمِعٌ فِيمَا عِنْدَكَ إِذَا وُصِفَ بِالطَّمَعِ، فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ قِيلَ هُوَ طَامِعٌ فِيمَا عِنْدَكَ غَدًا، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) }
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سماوات، بعضهن فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة.
وإنما قيل للسماوات السبع سبع طرائق؛ لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ}
يَقُولُ: وَمَا كُنَّا فِي خَلْقِنَا السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فَوْقَكُمْ عَنْ خَلْقِنَا الَّذِي تَحْتَهَا غَافِلِينَ، بَلْ كُنَّا لَهُمْ حَافِظَيْنَ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكَهُمْ.