يَقُولُ: ثُمَّ أَنْشَأْنَا هَذَا الْإِنْسَانَ خَلْقًا آخَرَ. وَهَذِهِ الْهَاءُ الَّتِي فِي: {أَنْشَأْنَاهُ} عَائِدَةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْعَظْمِ وَالنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ، جُعِلَ ذَلِكَ كُلُّهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَقِيلَ: ثُمَّ أَنْشَأْنَا ذَلِكَ خَلْقًا آخَرَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْشَاؤُهُ إِيَّاهُ خَلْقًا آخَرَ: نَفْخُهُ الرُّوحَ فِيهِ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ إِنْسَانًا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ صُورَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْشَاؤُهُ خَلْقًا آخَرَ: تَصْرِيفُهُ إِيَّاهُ فِي الْأَحْوَالِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ: فِي الطُّفُولَةِ، وَالْكُهُولَةِ، وَالِاغْتِذَاءُ، وَنَبَاتُ الشَّعْرِ، وَالسِّنِّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}
يَقُولُ:"خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ مَا خُلِقَ، فَكَانَ مِنْ بَدْءِ خَلْقِهِ الْآخَرِ أَنِ اسْتَهَلَّ، ثُمَّ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ دُلَّ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ عُلِّمَ كَيْفَ يَبْسُطُ رِجْلَيْهِ، إِلَى أَنْ قَعَدَ، إِلَى أَنْ حَبَا، إِلَى أَنْ قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ، إِلَى أَنْ مَشَى، إِلَى أَنْ فُطِمَ، فَعُلِّمَ كَيْفَ يَشْرَبُ وَيَأْكُلُ مِنَ الطَّعَامِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ، إِلَى أَنْ بَلَغَ أَنْ يَتَقَلَّبَ فِي الْبِلَادِ."
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِإِنْشَائِهِ خَلْقًا آخَرَ: سَوَّى شَبَابَهُ
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ نَفْخَ الرُّوحِ فِيهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ يَتَحَوَّلُ خَلْقًا آخَرَ إِنْسَانًا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْأَحْوَالِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ بِهَا، مِنْ نُطْفَةٍ وَعَلَقَةٍ وَمُضْغَةٍ وَعَظْمٍ , وَبِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، يَتَحَوَّلُ عَنْ تِلْكِ الْمَعَانِي كُلِّهَا إِلَى مَعْنَى الْإِنْسَانِيَّةِ، كَمَا تَحَوَّلَ أَبُوهُ آدَمُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا إِنْسَانًا وَخَلْقًا آخَرَ , غَيْرَ الطِّينِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}