وبدلا من أن يكشف اللّه لهم عن حالهم السيئة ، وينزلهم منازل الهون والبلاء - دعاهم إليه ، ومنحهم فرصة أخرى ، يراجعون فيها أنفسهم ، ويتدبرون حالهم ، ويرجعون إلى اللّه من قريب ، ليكونوا فِي المؤمنين المفلحين ، فعرض عليهم سبحانه وتعالى شيئا من مظاهر قدرته ، وعلمه ، وحكمته .. يجدونها - لو عقلوا - فِي أقرب شيء إليهم .. فِي أنفسهم ، وفى عجائب قدرة اللّه ، وبالغ حكمته ..
إذ أخرج من التراب هذا الإنسان ، السميع البصير ، العاقل ، الناطق ، الذي عمر هذه الأرض ، وتسلّط على حيوانها ونباتها وجمادها ..
ففى هذه النظرة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه ، وإلى أصل نشأته ، وتطوره فِي الحياة ، وتنقله فِي الخلق - فِي هذه النظرة ، يرى الإنسان أن يدا حكيمة قادرة ، هي التي أوجدته ، وأخرجته على هذه الصورة ، التي لا وجه للشبه بينها وبين هذا التراب الهامد الذي ولدت منه .. فكيف لا يولى الإنسان وجهه إلى الذي فطره وصوّره ، وأقامه على هذا العالم الأرضى خليفة للّه فيه؟ وكيف لا يدين لخالقه ورازقه بالطاعة والولاء؟ ثم كيف يعطى يديه ، ويسلم زمامه لأحجار ينحتها ، أو لحيوان يربيه ، أو لإنسان هو مخلوق مثله؟ ذلك ضلال مبين.
وانحدار سريع إلى عالم التراب ، مع الهوام والحشرات! قوله تعالى: « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ » .