وقوله: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا} قرئ: بضم السين وكسرها وكلاهما مصدر سَخِرَ كالسُّخْرِ والسِّخْرِ، تقول منه: سخرت منه وبه أسخر بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر سُخْرًا وسِخْرًا وسِخْرِيًا وسُخْرِيًا وسخرية، إذا هزئت به، غير أن ياء النسب زيادة قوة في الفعل، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، والدليل على أن المراد بهما الهزء قوله جل ذكره: {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} ، والضحك بالسخر والهزء أشبه، وهذا مذهب صاحب الكتاب وشيخه الخليل رحمهما الله، وهو أنهما لغتان بمعنى.
وقال غيرهما: إن المكسور من الهزء، والمضموم من الإذلال والتسخير، أي: سَخَّروهم واستعبدوهم.
وقال محمد بن يزيد أيضًا: هما لغتان ككُرسي وكِرسي، وبُخْتِي وبِخْتِي، وأُسوة وإِسوة، وإنما تؤخذ التفرقة عن العرب، فأما بالتأويل فلا، هذا معنى كلامه، وهو مفعول ثان، أعني {سِخْرِيًّا} .
وقوله: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} (جزى) فعل [ماض] يتعدى إلى مفعولين، تقول: جزيت فلانًا بما صنع كذا، وكفاك دليلًا {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} ، فعداه إلى مفعولين كما ترى، فإذا فهم هذا، فقرئ: (إِنهم) بالكسر على الاستئناف والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة، ثم ابتدأ مادحًا لهم فقال: (إنهم هم الفائزون) أي: فازوا بها حيث صبروا.
وقرئ: (أَنهم) بالفتح، وفيه وجهان:
أحدهما: هو المفعول الثاني، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز، وفاز فلان، إذا نال ما أراد.
والثاني: على تقدير الجار والمفعول الثاني محذوف، أي: جزيتهم اليوم بصبرهم الجنة لأنهم هم الفائزون، أو بأنهم، أي: جزيتهم بالفوز فيكون هو المفعول الثاني، ولا حذف على هذا.
{قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) } :