إذن: فقول هؤلاء: {رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى} [طه: 134] تمحُّك منهم: لو أرسلت لنا رسولاً لاتبعناه من قبل أنْ نذلّ في الدنيا هزيمةً ، أو أَسْراً ، أو قَتْلاً ، ونخزى في الآخرة بفضيحة علنية على رؤوس الأشهاد.
{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا}
التربُّص: التحفُّز لوقوع شيء بالغير ، تقول: فلان يتربص بي يعني: يلاحظني ويتابعني ، ينتظر مني هَفْوة أو خطأ ، فقوله: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ} [طه: 135] فكُلٌّ مِنَّا يتربص بالآخر ، لأننا أعداء ، كل منا ينتظر من الآخر هفوة ويترقب ماذا يحدث له .
وقد أوضح سبحانه وتعالى توجيهات التربُّص منه ومنهم في آية أخرى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين} [التوبة: 52] .
ماذا تنتظرون إلا إحدى الحُسْنيين: إما أن نموت في قتالكم شهداء ، أو ننتصر عليكم ونُذِلكم ، فأيُّ تربُّص يحدث شرف لنا ، إما النصر أو الشهادة ، فكلاهما حُسنْى ، ونحن نتربّص بكم أنْ يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ، فكلاهما سوءة .
وما دام الأمر كذلك فتربَّصُوا بنا كما تحبون ، ونحن نتربص بكم كما نريد ؛ لأن تربصنا بكم يفرحنا ، وتربصكم بنا يُؤلمكم ويُحزنكم .
ومعنى {قُلْ} [طه: 135] هنا أن القول {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ} [طه: 135] ليست من عند محمد ، فليس في يده زمام الكون ولا يعلم الغيب ، فهو قَوْل الله الذي قال له (قل) يا محمد {كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ} [طه: 135] .
إذن: قيلتْ مِمَّن يملك أَزمّة الأمور وأعنّتها ، ولايخرج شيء عن مراده تعالى ، وربما لو قُلْت لكم من عندي تقولون: كلام بشر لا يملك من الأمور شيئاً . إذن: خذوها لا بمقياس كلام البشر ، إنما بمقياس مَنْ يملك زمام أقْضية البشر كلها .