لكن هؤلاء يريدون معجزة حِسِّية تصاحب رسالة محمد العامة للزمان وللمكان ، ولو كانت معجزَة محمد حِسِّية لكانت لمَنْ شاهدها فقط ، والحق سبحانه يريدها معجزة دائمة لأمتداد الزمان والمكان ، فَمنْ آمن بمحمد نقول له: هذه هي معجزته الدائمة الباقية إلى أنْ تقومَ الساعة .
لذلك ، كان القرآن معجزة لكل القرون ، ولو أفنى القرآن معجزته مرة واحدة للمعاصرين له فحسب لاستقبلتْه القرون الآتية بلا إعجاز ، لكن شاءتْ إرادة الله أن يكون إعجاز القرآن سراً مطموراً فيه ، وكل قرن يكتشف من أسراره على قدر التفاتهم إليه وتأملهم فيه ، وهكذا تظل الرسالة محروسة بالمعجزة .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ}
يقول تعالى: أنا قطعت عليهم الحجة ؛ لأنني لو أهلكتُهم على فَتْرة من الرسل لقالوا: لماذا لم تُبقِنَا ِإلى أن يأتينا رسول ، فلو جاءنا رسول لآمنا به قبل أن نقع في الَذُّلِّ والخِزْي ، فمعنى: ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبل أن يأتي القرآن لقالوا: ربنا لولا أرسلتَ إلينا رسولاً لآمنّا به واهتدينا .
وهذه مجرد كلمة هو قائلها ، وكما قال عنهم الحق سبحانه: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28] إنها مجرد كلمة تنقذهم من الإشكال .
وقولهم: {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى} [طه: 134] الذل: ما يعتري الحييِّ مما ينشأ عنه انكساره بعد أنْ كان متعالياً ، والذلّ يكون أولاً بالهزيمة ، وأذلّ من الهزيمة الأَسْر ، لأنه قد يُهزم ثم يفِرُّ ، وأذلُّ منهما القتل . إذن: الذل يكون في الدنيا أمام المشاهدين له والمعاصرين لانكساره بعد تعاليه .
أما الخزي: نخزى يعني: يُصيبنا الخزي ، وهو تخاذل النفس بعد ارتفاعها . ومن ذلك يقولون: أنت خزيت . يعني: كنت تنتظر شيئاً فوجدت خلافه .