قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ هَذَا طَرِيقٌ فِي الرِّوَايَةِ يَرْتَضِيهِ أَهْلُ النَّقْلِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لَا يُحَرَّجُ الْمَرْءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِنْ تَرَكَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَهْلِ الْمُنْكَرِ إِذَا خَافَ عَادِيَتَهُمْ وَلَمْ يَأْمَنْ بِوَائِقَهُمْ مَا دَامَ كَارِهًا لِفِعْلِهِمْ بِقَلْبِهِ وَمُصَارِمًا لَهُمْ بِعَزْمِهِ وَنِيَّتِهِ ثُمَّ اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَدْ سَاءَتْ رَغْبَتُهُمْ وَقَلَّتْ آدَابُهُمْ وَغَلُظَتْ مِحْنَتُهُمْ عَلَى مَنْ يُعَاشِرُهُمْ لِأَنَّ مَوْقِفَهَ فِيهِمْ بَيْنَ أَنْ يُخَوِّنَهُمُ فَيُسَالِمَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَصُونَ نَفْسَهُ فَيُنَاصِحَهُمْ وَقَدْ كَانُوا وَالنَّاسُ نَاسٌ وَالزَّمَانُ زَمَانٌ يَسْتَشْنِعُونَ الْحَقَّ وَيَسْتَمِرِّونَ طَعْمَ النُّصْحِ وَيَتَنَكَّرُونَ لِمَنْ يَهْدِي إِلَيْهِمْ عُيُوبَهُمْ وَيَصْدُقُهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِمُ الْآنَ مَعَ فَسَادِ هَذَا الزَّمَانِ الْكَلِبِ الْمُتَقَلِّبِ أَتُرَاهُمْ يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ وَيُصِيخُونَ إِلَى النُّصْحِ كَلَّا إِنَّكَ إِلَى أَنْ تَفْسُدَ بِهِمْ يَخْضَعُونَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى أَنْ يَصْلَحُوا بِكَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ قَابَلَ الْكَثِيرَ مِنَ الْفَسَادِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَاحِ فَقَدْ غَرَّ نَفْسَهُ، مِثَالُهُ أَنْ يَمِيلَ جِدَارٌ فَيَأْتِيَهُ رَجُلٌ فَيُدَعِّمَهُ بِيَدِهِ لِيُقِيمَهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ فِيهِ تَلَفُهُ. بَلَى إِذَا وَجَدَ أَعْوَانًا وَآلَةً فَدَعَّمَهُ بِأَعْمِدَةٍ وَرَدِفَهُ بِقَوَائِمَ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهَا كَانَ جَدِيرًا أَنْ يَسْتَقِلَّ وَيَثْبُتَ وَكَانَ الرَّجُلُ حَقِيقًا أَنْ يَسْلَمَ وَيَنْجُو قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فَانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ وَتَأَمَّلْ هَلْ تَجِدُ الْيَوْمَ أَعْوَانًا عَلَى الْمَعْرُوفِ وَدُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ وَنُهَاةً عَنِ الْمُنْكَرِ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَظْفَرُ بِهِمْ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فَانْجُ بِرَأْسِكَ وَلَا تُغَرِّرْ بِنَفْسِكَ إِنَّ رَضِيَ النَّاسِ غَايَةً لَا تُدْرَكُ قَدْ أَعْيَا الْأَوَّلِينَ دَوَاؤُهُمْ وَانْقَطَعَتْ فِيهِمْ حِيَلُهُمْ فَمَا حَاجَتُكَ إِلَى عَنَاءٍ