وثانيها: قال مجاهد والضحاك ومقاتل: يعني أعمى عن الحجة ، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال القاضي: هذا القول ضعيف لأن في القيامة لا بد أن يعلمهم الله تعالى بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل ، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً ، والمراد به أنه كان من قبل ذلك كذلك ولا يليق بهذا قوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} ولم يكن كذلك في حال الدنيا أقول ومما يؤكد هذا الاعتراض أنه تعالى علل ذلك العمى بما أن المكلف نسي الدلائل في الدنيا فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر ، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر ، واعلم أن تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض مأخوذ من أمر آخر وهو أن الأرواح الجاهلة في الدنيا المفارقة عن أبدانها على جهالتها تبقى على تلك الجهالة في الآخرة وأن تلك الجهالة تصير هناك سبباً لأعظم الآلام الروحانية.
وبين هذه الطريقة وبين طريقة القاضي المبنية على أصول الاعتزال بون شديد.
وثالثها: قال الجبائي: المراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيراً بل يبقى واقفاً متحيراً كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء ، أما قوله: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى} ففي تقرير هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنه تعالى إنما أنزل به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهدى والإعراض عنه.