قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي هم خلفي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة، ثم ذكر موجب العجلة فقال وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ أي إلى الموعد الذي وعدت لِتَرْضى أي لتزداد عني رضا ولا نلاحظ أن الله عزّ وجل قد عاقبه على استعجاله، لأنه كان مجتهدا، وأقبل بنية صالحة سوى ذلك العتاب الذي بدأه به لما سأله عن سبب استعجاله، وهو أعلم، إلا أن السياق يفهمنا الكثير:
وذلك أننا نعلم من سياق القصة في مكان آخر أن موسى - عليه السلام - بقي أربعين ليلة، وأعطاه الله الألواح فيها، وأعلمه فيها بما أحدث قومه، إلا أنه هنا قد
طوى الكلام إلا عن الإخبار بما حدث لقومه بعده، وفي ذلك نوع إشعار بالخطإ في الاستعجال انعكس على الأمة بأسرها، وفي ذلك درس لأهل الإيمان بالالتزام
الحرفي بالوحي أئمة ومأمومين، وهذا كله نفهمه من استعمال حرف الفاء في الجواب التي فيها ظلال السببية قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ .. ولننتقل إلى الآيات التالية:
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ أي ألقيناهم في فتنة مِنْ بَعْدِكَ من بعد خروجك من بينهم وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ أي بدعائه إياهم إلى عبادة العجل، وإجابتهم له
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ من مناجاة ربه غَضْبانَ أَسِفاً أي شديد الغضب، شديد الحزن، وكيف لا يغضب ويحزن وهم قد عبدوا غير الله مما يعلم كل ذي عقل بطلان ما عبدوه، وموسى فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم ما فيه هدايتهم وشرفهم من ربهم قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً قال ابن كثير: أي أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة، كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أيادي الله؟؟ أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي في انتظار ما وعدكم الله، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي بل أردتم بصنيعكم هذا أن تفعلوا فعلا يجب به عليكم الغضب من ربكم فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي أي ما وعدتموني إياه في توحيد الله وإقامة أمره