يرجع إلينا موسى ولا يخفى ما في هذا الكلام من أنواع التوكيد من جهة النفي ب"لن"، ومن لفظ البراح والعكوف ، ومن صيغة اسم الفاعل ، ومن تقديم الخبر.
ثم حكى ما جرى بين موسى وهارون بعد الرجوع وقوله {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن} كقوله {ما منعك ألا تسجد} [الأعراف: 12] في أن"لا"هذه مزيدة أم لا؟. وقد مر في"الأعراف". وفي هذا الإتباع قولان: فعن ابن عباس ما منعك من إتباعي بمن أطاعك واللحوق بي وترك المقام بين أظهرهم. وقال مقاتل: أراد الإتباع في وصيته كأنه قال: هلا قتلت من كفر بمن آمن ومالك لا تباشر الأمر كما كنت أباشره. قال الأصوليون: في قوله {أفعصيت أمري} دلالة على أن تارك المأمور به عاصٍ والعاصي يستحق العقاب لقوله {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن: 22] فيعلم منه أن الأمر للوجوب. واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بأن موسى عليه السلام هل أمر هارون باتباعه أم لا؟ وعلى التقدير فهارون أتبعه أم لا؟ فإن لم يأمره أو أمره ولكن اتبعه فملامته لهارون من غير جرم تكون ذنباً ، وإن أمره ولم يتبعه كان هارون عاصياً. وأيضاً قوله {أفعصيت} بمعنى الإنكار. فإما أن يكون موسى كاذباً في نسبة العصيان إلى هارون ، وإما أن يكون هارون عاصياً. وأيضاً أخذه بلحية هارون وبرأسه إن كان بعد البحث والتفتيش فهارون عاصٍ وإلا فموسى. وأجيب بأن كل ذلك أمور اجتهادية جائزة الخطأ أو هي من باب الأولى وقد مر في أوائل"البقرة"في آدم ما يتعلق بهذه المسألة.