إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي ؛ لأن الوَحْي من مَلَك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية ، فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لا بُدَّ أنْ يحدث بينهما نوعٌ من التقارب في الطبيعة ، فإمّا أن يتحول الملَك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية ، أو ينتقل رسول الله من حالته البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقّى عن الملك .
لذلك ، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته ، هذه التغييرات هي التي تجعله يتصبَّبُ عَرَقاً حتى يقول:"زملوني زملوني"أو"دثروني دثروني"لما حدث في تكوينه من تفاعل .
فكان الوحي شاقاً على رسول الله خاصة في أوله ، فأراد الحق سبحانه أنْ يُخفِّف عن رسوله هذه المشقة ، وأنْ يُريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليُشوِّقه للوحي من ناحية أخرى ، فقال تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 13] والوِزْر هو الحِمْل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه .
فلما فتر الوحي عن رسول الله شمتَ به الأعداء ، وقالوا: إن ربَّ محمد قد قلاه . سبحان الله ، أفي الجَفْوة تذكرون أن لمحمد رباً؟ ألستم القائلين له: كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟
وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية ، أرادها ربُّ محمد ، هي أنْ يرتاح نفسياً من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه ، وأنْ تتجدد طاقته ، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد ، والشَّوْق إلى الشيء يُهوِّن الصعاب في سبيله . كما يسير المحب إلى حبيبه ، لا تمنعه مشاقّ الطريق .
فردَّ الله على الكافر: {والضحى * والليل إِذَا سجى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 15] .