فنفى عن رسوله ما قاله الكفار ، ثم عدَّل عبارتهم: إن ربَّ محمد قد قلاه فقال: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى} [الضحى: 3] هكذا بكاف الخطاب ؛ لأن التوديع قد يكون للحبيب .
أمَّا في قوله: {وَمَا قلى} [الضحى: 3] فلم يأْتِ هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي ، فلم يقُلْ (وما قلاك) ؛ لأن النفي مع ضمير المخاطب يُشْعِر بإمكانية حدوث الكُره لرسول الله .
كما لو قلت: أنا لم أرَ شيخ الأزهر يشرب الخمر ، أمدحتَ شيخ الأزهر بهذا القول أم ذَمَمْته؟ الحقيقة أنك ذممته ؛ لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك .
فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز وجل .
لكن ، ما الحكمة في أن الحق تبارك وتعالى أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سَجَى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟
الله عز وجل يريد بقوله: {والضحى * والليل إِذَا سجى} [الضحى: 12] أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مُشَاهدة ومُعْتَرف بها عند الجميع ، وهي أن الله خلق النهار وجعله مَحلاً للحركة والنشاط والسعي ، وخلق الليل وجعله مَحَلاً للراحة والسكون ، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد .
وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه ، لا لتنتهي المسألة بلا عودة ، بل ليُجدِّد نشاط النبي ، ويُشوِّقه للوحي من جديد ؛ لذلك بشَّره بقوله: {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى} [الضحى: 4] أي: انتظر يا محمد ، فسوف يأتيك خير كثير .
فالحق سبحانه يُرجِعهم إلى ظواهر الكون ، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها ، فأنتم ترتاحون من عَناء النهار بسكون الليل ، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟