وقوله تعالى: {الملك الحق} [طه: 114] لأن هناك ملوكاً كثيرين ، أثبتَ الله لهم الملْك وسمَّاهم مُلُوكاً ، كما قال سبحانه: {وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ} [يوسف: 50] وقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك} [البقرة: 258] .
إذن: في الدنيا ملوك ، لكنهم ليسوا مُلوكاً بحق ، الملك بحق هو الله ؛ لأن ملوك الدنيا ملوك في مُلْك موهوب لهم من الله ، فيمكن أن يفوت مُلْكَه ، أو يفوته المْلكُ ، وأيُّ مُلْك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ أيّ مُلْك هذا الذي يُسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟
إذن: الملِك الحق هو الله ، وإن ملَّك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم ، فهو سبحانه الذي يهَب الملْك ، وهو الذي ينزعه إن أراد: {تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} [آل عمران: 26] .
فالحق سبحانه له الملْك الحق ، ويهَبُ من مُلْكه لمَنْ يشاء ، لكن يظل المَلِك وما مَلَكه في قبضة الله ؛ لأنه سبحانه قيُّوم على خَلْقه لا يخرج أحد عن قيوميته .
وقد نسمع مَنْ يسبُّ الملوك والرؤساء ، ومَنْ يخوض في حقهم ، وهو لا يدري أن مُلْكهم من الله ، فهو سبحانه الذي ملّكهم وفوَّضهم ، ولم يأخذ أحد منه مُلْكاً رَغْماً عن الله ، فلا تعترض على اختيار الله واحترم مَنْ فوَّضه الله في أمرك ، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد ، ومَنْ يدريك لعلَّ الطاغية منهم يصبح غَداً واحداً من الرعية .
إذن: الحق سبحانه ملَّك بعض الناس أمْر بعض: هذا يتصرف في هذا ، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون ، فإذا كانت القيامة ، قال عز وجل: {لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] هذا هو الملْك الحق .