والتصريف: يعني التحويل والتغيير بأساليب شتَّى لتناسب استقبال الأمزجة المختلفة عند نزول القرآن لعلها تصادف وَعْياً واهتماماً {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} [طه: 113] .
{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [طه: 113] الاتقاء عادة يكون للشر والمعاصي المهلكة ، أو يُحدِث لهم الذكْر والشرف والرفعة بفعل الخيرات ، وهذا من ارتقاءات الطاعة .
ذلك لأن التكليف قسمان: قسم ينهاك عن معصية ، وقسم يأمرك بطاعة ، فينهاك عن شُرْب الخمر ، ويأمرك بالصلاة ، فهم يتقون الأول ، ويُحدِث لهم ذِكْراً يوصيهم بعمل الثاني . وما دام القرآن نازلاً من أعلى فلا بُدَّ أن يقول بعدها: {فتعالى الله الملك الحق}
{تعالى} [طه: 114] تنزّه وارتفع عن كل ما يُشبه الحادث ، تعالى ذاتاً ، فليستْ هناك ذاتٌ كذاته ، وتعالى صفاتاً فليست هناك صفة كصفته ، فإنْ وُجِدَتْ صفة في الخَلْق تشبه صفة في الخالق سبحانه ، فخُذْها في ضوء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] .
فالحق سبحانه لا يضنُّ على عبده أنْ يُسميه خالقاً إنْ أوجد شيئاً من عدم ، إنما لما تكلم عن خَلْقه سبحانه ، قال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنين: 14] .
فأنت خالق ، لكن ربَّك أحسَنُ الخالقين ، فأنت خلقتَ من موجود أمّا ربك عز وجل فقد خلق من العدم ، أنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالة واحدة ، والله خلق خَلْقاً حياً نامياً ، يُحسُّ ويتحرك ويتكاثر ، وسبق أنْ مثَّلنا لذلك ولله المثل الأعلى بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال ، وأوضحنا الفرق بين خَلْق وخَلْق .
وقوله تعالى: {فتعالى الله الملك الحق} [طه: 114] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع . فما الذي يُجبرك أنْ تأخذ تشريعاً من عبد مثلك؟ ولماذا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بُدَّ أن يكون المشرِّع أعلى من المشرَّع له .