ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن تختلف فيها صفاتهم ويتنوع عندها عذابهم ، وجملة {يتخافتون بَيْنَهُمْ} في محل نصب على الحال ، أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم ، والخفت في اللغة السكون ، ثم قيل لمن خفض صوته: خفته.
والمعنى يتساررون ، أي يقول بعضهم لبعض سرّاً: {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً} أي ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليالِ.
وقيل: في القبور.
وقيل: بين النفختين ، والمعنى: أنهم يستقصرون مدة مقامهم في الدنيا ، أو في القبور ، أو بين النفختين لشدّة ما يرون من أهوال القيامة.
وقيل: المراد بالعشر: عشر ساعات.
ثم لما قالوا هذا القول قال الله سبحانه: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعدلهم قولاً وأكملهم رأياً وأعلمهم عند نفسه: {إن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} أي ما لبثتم إلا يوماً واحداً ، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم ؛ لكونه أدلّ على شدّة الهول ، لا لكونه أقرب إلى الصدق.
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال} أي عن حال الجبال يوم القيامة ، وقد كانوا سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفاً} قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعاً من أصولها ، ثم يصيرها رملاً يسيل سيلاً ، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا ، ثم كالهباء المنثور.
والفاء في قوله: {فَقُلْ} جواب شرط مقدّر ، والتقدير: إن سألوك فقل ، أو للمسارعة إلى إلزام السائلين.
والضمير في قوله: {فَيَذَرُهَا} راجع إلى الجبال باعتبار مواضعها ، أي فيذر مواضعها بعد نسف ما كان عليها من الجبال {قَاعاً صَفْصَفاً} قال ابن الأعرابي: القاع الصفصف: الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء ، وقال الفراء: القاع: مستنقع الماء ، والصفصف: القرعاء الملساء التي لا نبات فيها.