السادس: قوله تعالى: ما أعجلك عن قومك سؤال عن سبب العجلة ، فكان جوابه اللائق به أن يقول: طلب زيادة رضاك ، أو التشوق إلى كلامك ، وأما قوله: هم أولاء على أثري ، فغير منطبق عليه كما ترى ؛ أجيب عنه بأن سؤال الله تعالى يتضمن شيئين ؛ أحدهما: إنكار نفس العجلة ، والثاني: السؤال عن سببب التقدم ، فأجاب عن السؤال عن العجلة ؛ لأنها أهم ، فقال: وعجلت إليك رب لترضى
{قال} تعالى: {فإنا} أي: تسبب عن عجلتك عنهم أنا {قد فتنا} أي: ابتلينا {قومك من بعدك} أي: بعد فراقك لهم بعبادة العجل ، وهم الذين خلفهم مع هارون ، وكانوا ستمائة ألف ، وما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً {وأضلهم السامري} باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته ، فأطاعه بعضهم ، وامتنع بعضهم ، والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم السامرة ، وقيل: كان علجاً من أهل كرمان وقع إلى مصر ، وقيل: كان من قوم يعبدون البقر جبران لبني إسرائيل ، ولم يكن منهم ، واسمه موسى بن ظفر ، وكان منافقاً
{فرجع موسى} لما أخبره ربه بذلك {إلى قومه} بعدما استوفى الأربعين ذا القعدة ، وعشر ليال من ذي الحجة ، وأخذ التوراة {غضبان} عليهم {أسفاً} أي: حزينا بما فعلوا {قال} أي: لقومه لما رجع إليهم مستعطفاً لهم: {يا قوم} وأنكر عليهم بقوله: {ألم يعدكم ربكم} أي: الذي أحسن إليكم {وعداً حسناً} أي: بأنه ينزل عليكم كتاباً حافظاً ، ويكفر عنكم خطاياكم ، وينصركم على أعدائكم إلى غير ذلك من إكرامه ، ولما جرت العادة بأنّ طول الزمان ناقض للعزائم مغير للعهود كما قال أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري:
*لا أنسينك طال الزمان بنا
** وكم حبيب تمادى عهده فنسى
قال لهم: {أفطال عليكم العهد} أي: زمن لطف الله تعالى بكم ، فتغيرتم عما فارقتكم عليه كما تغير أهل الرذائل والانحلال في العزائم لضعف العقول وقلة التدبر {أم أردتم} أي: بالنقض مع قرب العهد ، وذكر الميثاق {أن يحل}