ومن ذلك ما حكاه كتاب الله على لسان فرعون بعد ما نفض السحرة أيديهم من فرعون وملائه، وآمنوا برب موسى وهارون {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} فكان قول فرعون هذا دليلا على ما أصاب عقله من خلط وخبط، لهول المفاجأة التي فوجئ بها هو وقومه، حتى أتهم فرعون نفس السحرة الذين كانوا قبل لحظات محل ثقته وطوع يديه، بأنهم أصبحوا تلامذة لموسى، بمجرد ما أعلنوا إيمانهم بالله، وبراءتهم من فرعون ودينه، وأصر فرعون في تعبيره على أن يتهم موسى بأنه هو الذي علمهم السحر الجديد. يضاف إلى ذلك ما يتضمنه خطاب فرعون لسحرته السابقين من جهل فاضح بخلجات النفوس وتقلبات القلوب، فالإيمان متى خالطت بشاشته قلب الإنسان تحول في الحال من حال إلى حال، ومفاتح القلوب هي قبل كل شيء بيد الله، لا بيد الطغاة المتمردين على الله، والشأن في كلمة الحق أن تغزو الآذان، دون استئذان.
ومن ذلك ما حكاه كتاب الله على لسان السحرة، الذين تحولوا بفضل معجزة موسى إلى مؤمنين بررة، وهم يردون على فرعون {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فكان ردهم على فرعون ردا مفحما، لأنهم آمنوا بربهم عن برهان وبينة، وفارقوا دين فرعون وقومه عن اقتناع، فلا شيء يستطيع أن يردهم عن سلوك المحجة البيضاء، ولا شيء يقنعهم بالاستمرار في عبادة طاغية متكبر، لمجرد أن يقول {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ، فقد اهتدوا إلى معرفة الإله الحق الذي {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} ، وبعدما رفعت عنهم غشاوة الجهل والنسيان، ها هم يقبلون بشوق وحماس على عبادة الرحمن، بكل طاعة وإذعان، متحملين جميع التضحيات والآلام التي يفرضها عليهم حكم الظلم والطغيان، إذ لا سلطة لهذا الحكم الغاشم إلا في الدار الفانية، وهم مطمئنون إلى حكم الله العادل الذي سيلقونه في الدار الباقية {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .