قالت: الأولى أن يقال الخلاف ههنا بمعنى الجهة المخالفة حتى يصح معنى الابتداء أي لأقطعن أيديكم وأرجلكم مبتدأ من الجهتين المتخالفتين يميناً وشمالاً ، فيكون الجار والمجرور في موضع الحال أي لأقطعنها مختلفات الجهات. قيل {في جذوع النخل} أي عليها والأصوب أن يقال: هي على أصلها شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن المظروف في الظرف {أينا أشد} أراد نفسه وموسى وفيه صلف باقتداره وقهره وما ألفه من تعذيب الناس واستخفاف بموسى مع الهزء به ، لأن موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء قاله في الكشاف. قلت: يحتمل أن يريد بقوله {أينا} الله تعالى ونفسه لنقدم ذكر رب هارون وموسى ، وقد سبق عذاب الله في قوله {أن العذاب على من كذب وتولى} وفي قوله {فيسحتكم بعذاب} ويؤيده قول السحرة في جوابه {والله خير وأبقى} {لن نؤثرك} لن نختارك {على ما جاءنا من البينات} المعجزات الظاهرات {و} على {الذي فطرنا} أو الواو للقسم وعلى هذا يجوز أن يكون على ما جاءنا بمعنى فيما جاءنا أي لن نميل إليك والحالة هذه. وعلى الوجه الأول ففحوى الكلام لن نترك طاعة خالقنا والتصديق بمعجزات نبيه لأجل هواك {فاقض ما أنت قاضٍ} بما شئت من العذاب {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي في مدة الحياة العاجلة ، وقرئ {تقضي} مبنياً للمفعول هذه الحياة بالرفع إجراء للظرف مجرى المفعول به اتساعاً مثل صيم يوم الجمعة. والحاصل أن قضاءك وحكمك منحصر في مدة حياتنا الفانية. والإيمان وثمرته باقٍ لا يزول ، والعقل يقتضي تحمل الضرر الفاني للفوز بالسعادة الباقية وللخلاص من العقاب الأبدي وذلك قولهم {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} قال الحسن: سبحان الله قوم كفار ثبت في قلوبهم الإيمان طرفة عين فلم يتعاظم عندهم أن قالوا في ذات الله تعالى {فاقض ما أنت قاضٍ} والله إن أحدهم ليصحب القرآن ستين عاماً ثم ليبيع دينه بثمن غبن.