فقال زكريا عند ذلك: {قَالَ رَبّ} ، يقول: يا سيدي {أنى يَكُونُ لِي غلام} ، يعني: من أين يكون لي ولد؟ ويقال: إنما قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى ، فقال: يا رب من أين يكون لي ولد؟ {وَكَانَتِ أمرأتى عَاقِرًا} من الولد ، {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً} ، يقول: تحول العظم مني يابساً ، ومنه يقال: قلب عات إذا كان قاسي القلب غير لين ، ويقال لكل شيء انتهى فقد عتى.
ولم يكن زكريا شاكّاً في بشارة الله عز وجل ، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي {عِتِيّاً} بكسر العين وكذلك {صِلِيّاً} وَ {جِثِيّاً} {وَبُكِيّاً} إلا أن عاصماً خالفهما في {بُكِيّاً} ، والباقون كلها بالضم ، وكأن أبا عبيدة اختار الضم ، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي.
{وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ} له جبريل عليه السلام {كذلك} ، يعني: هكذا كما قلت إنك {قَدْ بَلَغْتَ مِن الكبر عِتِيّاً قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ} ولكن الله عز وجل {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ} ، يعني: خلقه عليَّ يسير {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ} يحيى {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} قرأ حمزة والكسائي {وَقَدْ} بالألف مؤخرة والنون مقدمة والباقون {وَقَدْ خَلَقْتُكَ} وهو اختيار أبي عبيدة قال زكريا عليه السلام {رَبّ اجعل لِّى ءايَةً} في الولد.
روى أسباط ، عن السدي قال: لما بشر زكريا عليه السلام جاءه الشيطان فقال: إن هذا النداء الذي نوديته ليس من الله ، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك.
ولو كان من الله عز وجل ، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك ، ف {قَالَ} عند ذلك: {رَبّ اجعل لِّى ءايَةً} أعلم بها أن هذا النداء منك.