عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} قَالَ فِي بَعْضِ الْحُرُوفِ: صَمْتًا وَذَلِكَ إِنَّكَ لَا تَلْقَى امْرَأَةً جَاهِلَةً تَقُولُ: نَذَرْتُ كَمَا نَذَرَتْ مَرْيَمُ أَلَّا تَكَلَّمَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ آيَةً لِمَرْيَمَ وَلِابْنِهَا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْذُرَ صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ صَائِمَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالصَّائِمُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ يَصُومُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَكَلَامِ النَّاسِ، فَأُذِنَ لِمَرْيَمَ فِي قَدْرِ هَذَا الْكَلَامِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهِيَ صَائِمَةٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عِيسَى لِأُمِّهِ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهَا، وَسَلَّمَتْ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَحَمَلَتْهُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا.
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَنْسَاهَا يَعْنِي مَرْيَمَ كَرْبَ الْبَلَاءِ وَخَوْفَ النَّاسِ مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الْمَلَائِكَةَ مِنَ الْبِشَارَةِ بِعِيسَى، حَتَّى إِذَا كَلَّمَهَا، يَعْنِي عِيسَى، وَجَاءَهَا مِصْدَاقُ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَهَا احْتَمَلَتْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ بِهِ إِلَى قَوْمِهَا.
وَقَوْلُهُ: {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا رَأَوْا مَرْيَمَ، وَرَأَوْا مَعَهَا الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، قَالُوا لَهَا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ، وَأَحْدَثْتِ حَدَثًا عَظِيمًا. وَكُلُّ عَامِلٍ عَمَلًا أَجَادَهُ وَأَحْسَنَهُ فَقَدْ فَرَاهُ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
قَدْ أَطْعَمَتْنِي دَقَلًا حُجْرِيًّا ... قَدْ كُنْتِ تَفْرِينَ بِهِ الْفَرِيَّا
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} أَيِ الْفَاحِشَةَ غَيْرَ الْمُقَارَبَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) }