[قَالَ] الضَّحَّاكُ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ إِذَا اجْتَهَدَ صَامَ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا يَصُومُ مِنَ الطَّعَامِ، إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَصُومُ مِنَ الْكَلَامِ كَمَا أَصُومُ مِنَ الطَّعَامِ، إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا كَلَّمُوهَا أَشَارَتْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} فَأَجَابَهُمْ فَقَالَ: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ} حَتَّى بَلَغَ {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَمَرَهَا بِالصَّوْمِ عَنْ كَلَامِ الْبَشَرِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ النَّاسِ ظَاهِرَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهَا جَاءَتْ وَهِيَ أَيِّمٌ بِوَلَدٍ بِالْكَفِّ عَنِ الْكَلَامِ لِيَكْفِيهَا فَأَمَرَتِ الْكَلَامَ وَلَدَهَا.
عَنْ حَارِثَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ رَجُلَانِ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُسَلِّمِ الْآخَرُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ أَصْحَابُهُ: حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ النَّاسَ الْيَوْمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَلِّمِ النَّاسَ وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ عَلِمَتْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُصَدِّقُهَا أَنَّهَا حَمَلَتْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا قَالَ عِيسَى لِمَرْيَمَ {لَا تَحْزَنِي} قَالَتْ: وَكَيْفَ لَا أَحْزَنُ وَأَنْتَ مَعِي، لَا ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا مَمْلُوكَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ النَّاسِ {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} فَقَالَ لَهَا عِيسَى: أَنَا أَكْفِيكِ الْكَلَامَ {فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًا} قَالَ: هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ عِيسَى لِأُمِّهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ آيَةً لِمَرْيَمَ وَابْنِهَا.