وَإِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ يُكَنَّى عَنْهَا بِالْبَاءِ، فَيُقَالُ إِذَا كَنَّيْتَ عَنْ ضَرَبْتُ عَمْرًا: فَعَلْتُ بِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ، فَلِذَلِكَ تَدْخُلُ الْبَاءُ فِي الْأَفْعَالِ وَتَخْرُجُ، فَيَكُونُ دُخُولُهَا وَخُرُوجُهَا بِمَعْنًى، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ، وَقَدْ كَانَ لَوْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ كَانُوا فَسَّرُوهُ كَذَلِكَ: وَهُزِّي إِلَيْكِ رُطَبًا بِجِذْعِ النَّخْلَةِ، بِمَعْنَى: عَلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ، وَجْهًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ لَسْتُ أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ. وَمِنَ الشَّاهِدِ عَلَى دُخُولِ الْبَاءِ فِي مَوْضِعِ دُخُولِهَا
وَخُرُوجِهَا مِنْهُ سَوَاءٌ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ... وَأَسْفَلُهُ بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {تُسَاقِطْ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: (تَسَّاقَطْ) بِالتَّاءِ مِنْ تَسَّاقَطْ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، بِمَعْنَى: تَتَسَاقَطُ عَلَيْكِ النَّخْلَةُ رُطَبًا جَنِيًّا، ثُمَّ تُدْغَمُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى فَتُشَدَّدُ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطُ النَّخْلَةُ عَلَيْكِ رُطَبًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (تُسَاقِطْ) بِالتَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، وَوُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ، إِلَى مِثْلِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِ مُشَدِّدُوهَا، غَيْرَ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ
وَرُوِي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (يَسَّاقَطْ) بِالْيَاءِ. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يَتَسَاقَطُ الْجِذْعُ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا