ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها إن رسول ربها ليهب لهان أي ليعطيها غلاماً أي ولداً زكيا ، أي طاهراً من الذنوب والمعاصي ، كثير البركات. وبين في غير هذا الموضع كثيراً من صفات هذا الغلام الموهوب لها ، وهو عيسى عليه وعلى نبيا الصلاة والسلامن كقوله: {إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدنيا والآخرة وَمِنَ المقربين وَيُكَلِّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً وَمِنَ الصالحين} [آل عمران: 45 - 46] وقوله: {وَيُعَلِّمُهُ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِي الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 48 - 49] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على صفات هذا الغلامز وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضاً بخلف عنه « ليهب » بالياء المفتوحة بعد اللام أي ليهب لك هو ، أي ربك غلاماً زكياً. وقرأ الباقون « لأهب » بهمزة المتكلم أي لأهب لك هو أنا إيها الرسول منربك غلاماً زكياً. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء. وأظهر الأقوال في ذلك عندي -: أن المراد بقول جبريل لها {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} أي لأكون سبباً في هب الغلام بالنفخ في الدرع الذي وصل إلى الفرج ، فصار بسببه حملها عيسى. وبين تعالى في سورة « التحريم » أن هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} [