و (على) تفيد الاستعلاء. فإذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه.. كأن المهتدى حين يلزم نفسه بالمنهج لا يذل.. ولكنه يرتفع إلى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير إلى خير.. وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الإنسان إلى أسفل.. ولذلك حين تقرأ فِي القرآن الكريم قوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] ترى ما يفيد الارتفاع والعلو فِي الهداية ، وما يفيد الانخفاض والنزول فِي الضلالة ؛ وإنما كان العلوّ فِي الهدى.. لأن المنهج قَيَّدَ حركة حياتك اعزازا لك لعلوك وسمو مقامك فِي أنك لا تأخذ من بشر تشريعا.. ولا تأخذ من ذاتك حركة.. وإنما يرتفع بك لتتلقي عن الله سبحانه وتعالى.. وهذا علو كبير.. ولكن عند الضلالة قال:"فِي ضلال".. و (في) تدل على الظرفية المحيطة.. وهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى فِي آية أخرى بقوله جل جلاله: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] أحاطت به الخطيئة.. أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف فِي الضلال.. وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذا لأنها تحكمه.. وما دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقا.. فالحق سبحانه وتعالى حينما قال: {أُوْلَائِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .. اختار لفظا عليه دلالة دنيوية تقرب المعنى إلى السامع..
ما هو الفلاح ؟.. المعنى العام هو الفوز والْمُفْلِحُ هو الفائز. ومعنى الآية الكريمة أولئك هم الفائزون وقال:"هم المفلحون".
.لأن الفلاح مأخوذ من شق الأرض للبذر.. ومنه سُمِّيَ الفلاح الذي صفته شق الأرض ورمي البذور فيها..
والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للآخرة لآنه يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله.. وهناك فرق بين أمر غيبي عنا لا نعرفه.. وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود..