أوأن يصل الفاسق من هؤلاء إلى مرتبة من الاستقرار على الانحلال؛ فيروي ما يفعله من معاصٍ وآثام بفخر، كأن يقول:"لقد سهرنا بالأمس سهرة تخلب العقل، وفعلنا كذا وكذا"، ويروى ذلك، وكأنه قد كسب تلك السهرة بما فيها من معاص وآثام.
ومن رحمة الله سبحانه بالخلق أنه يجازي مرتكب السيئة بسيئة مثلها، فيقول سبحانه: {جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} ، وتتجلى أيضاً رحمة الحق سبحانه وتعالى حين يعطي من لا يرتكب السيئة مرتبة؛ فيصير ضمن من قال عنهم الحق سبحانه: {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ} لكن الذين لم يهتدوا منهم من يقول الحق سبحانه عنهم: {مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} أي: لن يجيرهم أحد عند الله تعالى، ولن يقول أحد لله سبحانه: لا تعذِّبْهم. أو أن (لا عاصم لهم) بمعنى: أن الله تعالى لن يأمر بعد ذلك بألاّ يُعذَّبوا.
ولا يقتصر أمرهم على ذلك فقط، بل يقول الحق سبحانه: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اليل مُظْلِماً} أي: كأن قطعاً من الليل المظلم قد غطت وجوههم، ويكون مأواهم النار {أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
هذا هو حال الذين كذَّبوا بآيات الله تعالى وكذبوا الرسل، وتأبَّوا عن دعة الله سبحانه وتعالى إلى دار السلام واتبعوا أهواءهم واتخذوا شركاء من دون الله تعالى.
وشاء الحق سبحانه أن يُجلِّي لنا ذلك كله في الدنيا؛ حتى يكون الكون كله على بصيرة بما يحدث له في الآخرة؛ لأنه نتيجة حتمية لما حدث من هؤلاء في الدنيا. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}