إنهم يبغون ويودون شريعة الله معوجة ومائلة عن الاستقامة ، أو تصفونها بأنها غير مستقيمة لتصدوا الناس عن الدخول فيها ، ولتنفروا منها ، مثال ذلك السخرية من تحريم الخمر والادعاء بأنها تعطي النفس السرور والإنسجام . إن الواحد من هؤلاء إنما ينفر من شريعة الله ، ويدعي أنها شريعة معوجة ، فنجد من يحلل الربا ؛ لأن تحريم الربا في رأيهم السقيم المنحرف يضيق على الناس فرصهم . إنهم يبغون شريعة الله معوجة ليستفيدوا هم من اعوجاجها ، وينفروا الناس منها . {... واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين} . [الأعراف: 86]
نعلم أن كل ردع ، وكل توجيه يهدف إلى أمرين اثنين: ترغيب وترهيب ، وعلى سبيل المثال نجد المدرس يقول للتلاميذ: من يجتهد فسنعطيه جائزة ، وهذا ترغيب ، ويضيف الأستاذ للتلاميذ: ومن يقصر في دروسه فسنفصله من المدرسة ؛ وهذا ترهيب . وما دام الناس صالحين لعمل الخير ولعمل الشر بحكم الاختيار المخلوق فيهم لله فلا بد من مواجهتهم بالأمرين بالترغيب في الخير والترهيب من الشر .
والحق هنا يقول في الترغيب: {واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} .
وكأنه يطالبهم بأن يكونوا أصحاب ذوق وأدب ، فنحن نعلم أن مدين تزوج وأنجب عدداً من الذرية وكانوا قلة في العدد فكثرهم حتى صاروا قبيلة ، وكانوا ضعافاً فقواهم ، وكانوا فقراء فأغناهم ، فمن صنع فيكم ولكم كل هذه المسائل ألا يصح أن تطيعوا أوامره . كان عليكم أن تطيعوا أوامره . وهذا ترغيب وتحنين .