أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ، عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة {فَأَوْفُواْ الكيل} أي المكيالَ كما وقع في سورة هودٍ ويؤيده قولُه تعالى: {والميزان} فإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونُه مصدراً كالمعيار وقيل: آلةَ الكيل والوزن على الإضمار، والفاءُ لترتيب الأمرِ على مجيء البينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبةٌ للاجتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه {وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ} التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيء ٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان، فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ، وقيل: كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه، قال زهير:
أفي كل أسواقِ العراقِ إِتاوة ... وفي كل ما باع أمرؤٌ مَكْسُ درهمِ
{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض} أي بالكفر والحيف {بَعْدَ إصلاحها} بعد ما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبياءُ وأتابعُهم بإجراء الشرائعِ، أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار {ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه، ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي مصدّقين لي في قولي هذا. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 3 صـ}