فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى ، ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين:
{أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 86 - 87] .
وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به ، وقد عبدتم معه غيره ، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟ فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه: من وزير ، أو ظهير ، أو عون. وهذا أعظم التنقيص لمن هو غنى عن كل ما سواه بذاته ، وكل ما سواه فقير إليه بذاته ، وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك ، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة ، أو لا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم ، أو لا يكفى عبده وحده ، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة ، كما يشفع المخلوق عند المخلوق ، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به ، وتكثره به من القلة ، وتعززه به من الذلة ، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه ، كما هو حال ملوك الدنيا ، وهذا أصل شرك الخلق. أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم ، حتى يرفع الوسائط إليه ذلك ، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا ، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ، ويتوسل إليه بذلك المخلوق ، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته ، وكل هذا تنقص للربوبية ، وهضم لحقها ، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه ، من قلب المشرك ، بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به ، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء ، بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه - لكفى فِي شناعته.
فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه ، والتنقص لازم له ضرورة ، شاء المشرك أم أبى ، ولهذا اقتضى حمده