سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره ، وأن يخلد صاحبه فِي العذاب الأليم ، ويجعله أشقى البرية. فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه ، وإن زعم أنه يعظمه بذلك. كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة. فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب ، أو يزعم أنها هي السنة ، وإن كان مستبصرا فِي بدعته فهو مشاق لله ورسوله.
فالمتنقصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه: هم أهل الشرك والبدعة ولا سيما من بَنَى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين ، ولا تغنى من اليقين والعلم شيئا. فيالله للمسلمين ، أي شيء فات من هذا التنقص؟.
وكذلك من نفى صفات الكمال عن الرب تعالى ، خشية ما يتوهمه من التشبيه والتجسيم فقد جاء من التنقص بضد ما وصف الله سبحانه نفسه من الكمال.
والمقصود: أن هاتين الطائفتين هم أهل التنقص فِي الحقيقة ، بل هم أعظم الناس تنقصا ، لبس عليهم الشيطان حتى ظنوا أن تنقصهم هو الكمال. ولهذا كانت البدعة قرينة الشرك فِي كتاب الله تعالى ، قال تعالى:
{قُلْ إِنّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْىَ بغير الَحْقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
فالإثم والبغى قرينان ، والشرك والبدعة قرينان.
فصل
وأما نجاسة الذنوب والمعاصى ، فإنها بوجه آخر ، فإنها لا تستلزم تنقيص الربوبية ، ولا سوء الظن بالله عز وجل. ولهذا لم يرتب الله سبحانه عليها من العقوبات والأحكام ما رتبه على الشرك ، وهكذا استقرت الشريعة على أنه يعفى عن النجاسة المخففة ، كالنجاسة فِي محل الاستجمار ، وأسفل الخف ، والحذاء ، وبول الصبى الرضيع وغير ذلك ، مالا يعْفَى عن المغلظة.