فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك ، فإنهم ظنوا به ظن السوء ، حتى أشركوا به ، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحيده ، ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره فِي ثلاثة مواضع من كتابه وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا ، يحبه ، ويخافه ، ويرجوه ، ويذل له ، ويخضع له ، ويهرب من سخطه ، ويؤثر مرضاته؟ قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يَحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ} [البقرة: 165] .
وقال تعالى: {الحمدُ لِلّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .
أي يجعلون له عَدْلا فِي العبادة والمحبة والتعظيم. وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم ، وعرفوا ، وهم فِي النار ، أنها كانت ضلالا وباطلا ، فيقولون لآلهتهم وهم فِي النار معهم:
{تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِى ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98] .
ومعلوم أنهم ما سووهم به فِي الذات والصفات والأفعال ، ولا قالوا: إن آلهتهم خلقت السماوات والأرض ، وأنها تحيى وتميت ، وإنما سووها به فِي محبتهم لها ، وتعظيمهم لها ، وعبادتهم إياها ، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام. ومن العجب أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين ، وما ذنبهم إلا أن قالوا: إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وأنهم لا يشفعون لعابديهم أبدا ، بل قد
حرم الله شفاعتهم لهم ، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم فِي الشفاعة ، فليس لهم من الأمر شيء ، بل الأمر كله لله ، والشفاعة كلها له سبحانه ، والولاية له ، فليس لخلقه من دونه ولى ولا شفيع.