فأما إذا ابتدأنا بالعامي الفارغ من فهم الإثبات، فقلنا: ليس في السماء، ولا على العرش، ولا يوصف بيد، وكلامه صفة قائمة بذاته، وليس عندنا منه شيء ، ولا يتصور نزوله، انمحى من قلبه تعظيم المصحف، ولم يتحقق في سره إثبات إله.
وهذه جناية عظيمة على الأنبياء، توجب نقض ما تعبوا في بيانه، ولا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها، فإنه يفسده ويصعب صلاحه.
فأما العالم فإنا قد أمناه لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم، ولا يجوز أن يكون محمولاً، ولا أن يوصف بملاصقة ومس، ولا أن ينتقل.
ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين أصبعين الإعلام بالتحكم في القلوب فإن ما يدبره الإنسان بين أصبعين هو متحكم فيه إلى الغالية.
ولا يحتاج إلى تأويل من قال: الإصبع الأثر الحسن، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية، وهما: الإقامة، والإزاغة.
ولا إلى تأويل من قال: يداه نعمتاه، لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات. وقد حدثنا بما نعقل. وضربت لنا الأمثال بما نعلم، وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس، علمنا المقصود بذكر ذلك.
وأصلح ما نقول للعوام: أمروا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتعرضوا لتأويلها، وكل ذلك يقصد به حفظ الإثبات، وهذا الذي قصده السلف.
وكان أحمد يمنع من أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، كل ذلك ليحمل على الاتباع، وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها.
وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه، فأضعف في النفوس قوي التعظيم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو يشير إلى المصحف.
ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيماً له.
فإذا جاء متحذلق فقال: الكلام صفة قائمة بذات المتكلم، فمعنى قوله هذا أن ما ههنا شيء يحترم، فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع.
وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلام في القدر ونهى عن الاختلاف، لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي.
فإن الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول: قضى وعاقب، تزلزل إيمانه بالعدل.
وإن قال: لم يقدر ولم يقض تزلزل إيمانه بالقدرة، والملك، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء.