وجاء في تفسير القرطبي المسمى"أحكام القرآن":"وقيل إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسماً في أيام حجهم ، ويكتفون باليسير من الطعام ، ويطوفون عراة. فقيل لهم: {خذوا زينتكم عند كل مسجد ، وكلوا واشربوا ، ولا تسرفوا} أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرم عليكم".. والإسراف يكون بتجاوز الحد ، كما قد يكون بتحريم الحلال. كلاهما تجاوز للحد. هذا باعتبار ، وذاك باعتبار.
ولا يكتفي السياق بالدعوة إلى اتخاذ الزينة عند كل مسجد ، وإلى الاستمتاع بالطيب من الطعام والشراب. بل يستنكر تحريم هذه الزينة التي أخرجها الله لعباده ، وتحريم الطيبات من الرزق. فمن المستنكر أن يحرم أحد - برأيه - ما أخرجه الله للناس من الزينة أو من الطيبات.
فتحريم شيء أو تحليله لا يكون إلا بشرع من الله:
{قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ؟
ويتبع الاستنكار بتقرير أن هذه الزينة من اللباس ، وهذه الطيبات من الرزق ، هي حق للذين آمنوا - بحكم إيمانهم بربهم الذي أخرجها لهم - ولئن كان سواهم يشاركهم فيها في هذه الدنيا ، فهي خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها الذين كفروا:
{قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، خالصة يوم القيامة} ..
ولن يكون الشأن كذلك ، ثم تكون محرمة عليهم ؛ فما يخصهم الله في الآخرة بشيء هو حرام!
{كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} .
والذين {يعلمون} حقيقة هذا الدين هم الذين ينتفعون بهذا البيان.
فأما الذي حرمه الله حقاً ، فليس هو الزينة المعتدلة من اللباس ، وليس هو الطيب من الطعام والشراب - في غير سرف ولا مخيلة - إنما الذي حرمه الله حقاً هو الذي يزاولونه فعلاً!
{قل: إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ..