قرأ نافعُ وابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفض هنا وفي سورة الرعد: [3] "يُغْشِي"مخففّاً من أغْشَى على أفْعَل ، والباقون بالتَّشديدِ من غشَّى على فعَّل ، فالهمزةُ والتَّضعيف كلاهما للتَّعْدِيَةِ أكسبا الفعل مَفْعُولاً ثانياً ؛ لأنَّهُ في الأصل متعد لواحدٍ ، فصار الفاعل مفعولاً.
وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسْ:"يَغشَى"بفتح الياء والشين ،"اللّيلُ"رفعاً ،"النهار"نصباً ، هذه رواية الداني عنه ، وروى ابنُ جنّي عنه نصب"اللّيل"ورفع"النَّهار".
قال ابنُ عطيَّة:"ونقل ابن جنّي أثبت"وفيه نظرٌ ، من حيث إنَّ الدَّاني أَعْنَى من أبي الفَتْح بهذه الصِّنَاعَةِ ، وإن كان دونه في العلم بطبقات ، ويؤيد رواية الدَّاني أيضاً أنَّهَا موافقة لقراءة العَامَّةِ من حيث المَعْنَى ، وذلك أنَّهُ جعل اللَّيْل فاعلاً لفظاً ومعنى ، والنَّهارَ مفعولاً لفظاً ومعنى ، وفي قراءة الجماعة اللَّيْلُ فاعلٌ معنى ، والنَّهارُ مفعولٌ لفظاً ومعنى ، وذلك أنَّ المفعولين في هذا البابِ متى صَلُح أن يكون كلٌّ منهما فاعلاً ومفعولاً في المعنى ؛ وَجَبَ تقديمُ الفاعل معنى ؛ لئلاّ يلْتبس نحو:"أعْطَيْتُ زَيْداً عَمْراً"فإنْ لم يلْتبس نحو:"أعْطَيْتُ زَيْداً دِرْهما ، وكسوْتُ عمراً جُبَّةً"جاز ، وهذا كما في الفَاعِلِ والمفعُولِ الصَّريحين نحو"ضرب موسى عيسى"، و"ضرب زيدٌ عمراً"، وهذه الآية الكريمة من بابِ"أعطيت زيداً عمراً"؛ لأنَّ كلاًّ من اللَّيْلِ والنَّهَارِ يَصْلُح أن يكون غَاشياً مَغْشياً ؛ فوجب جعل"اللَّيْل"في قراءة الجماعةِ هو الفاعلُ المعنوي ، و"النَّهَار"هو المفعول من غير عكس ، وقراءة الدَّاني موافقة لهذه ؛ لأنَّهَا المصرِّحة بفاعليَّةِ اللَّيْلِ ، وقراءة ابن جني مُخَالِفَة لها ، وموافقة الجماعة أولى.