وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) : هو من الدائمة، ليس من الابتداء؛ لأنه
لا يجوز أن يقال لصبي: كافر أو مؤمن، وهو الدوام والمقام فيه إلى وقت الموت، وهو في الدنيا البداءة، وفي الآخرة الإعادة، وهو كقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وقوله: (يَبْدَأُ) ليس يريد ابتداء نشوئه؛ ولكن كونه في الدنيا؛ فعلى ذلك قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) الآية، يخرج على وجهين:
أحدهما، أي: كما كنتم في الدنيا تعودون في الآخرة كذلك: المؤمن مؤمن والكافر على كفره.
والثاني: كما أنشأكم في الدنيا لا من شيء؛ فعلى ذلك يبعثكم كذلك، لا يعجزه شيء.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (فَرِيقًا هَدَى ...(30)
بما هداهم اللَّه بفضله.
(وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ) .
بما اختاروا من فعل الضلال؛ فأضلهم اللَّه؛ كقوله: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) وقوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) .
فيه دلالة لزوم الحجة والدليل في حال الحسبان والظن إذا كان بحيث الإدراك والوصول إليه؛ لأنه قال: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) ، فيه أنهم عند أنفسهم مهتدون، ولم يكونوا، ثم عوقبوا على ذلك؛ دل أن الدليل والحجة قد يلزم، وإن لم يعرف بعد أن كيف يكون سبيل الوصول إلى ذلك، وهذا يرد قول من يقول بأن فرائض اللَّه لا تلزم إلا بعد العلم بها والمعرفة. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 4/ 377 - 404} ...