والقسط: هو العدل في كل شيء: في القول والفعل وغيره، كقوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) ، وكقوله - تعالى -: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) . وأصل العدل: هو محافظة الشيء على الحد الذي جعل له، ووضعه موضعه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .
اختلف فيه؛ قيل: (أَقِيمُوا) ، أي: سووا وجوهكم نحو الكعبة، (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، أي: في كل مكان تكونون فيه، وهو كقوله: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: اجعلوا بيوتكم نحو الكعبة؛ كقوله - تعالى -: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .
وقيل: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ) ، أي: اجعلوا عبادتكم لله، ولا تشركوا فيها غيره؛ كقوله: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، ويشبه أن يكون الوجه كناية وعبارة عن الأنفس؛ كأنه قال: أقيموا أنفسكم لله، لا تشركوا فيها لأحد شركًا كقوله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) أي بجعل نفسه لله سالمًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .
يحتمل الدعاء نفسه، أي: ادعوه ربًّا خالقًا ورحمانًا، (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) : بالوحدانية والألوهية والربوبية.
ويحتمل قوله: (وَادْعُوهُ) ، أي: اعبدوه مخلصين له العبادة، ولا تشركوا غيره فيها.
ويحتمل: أي دينوا بدينه الذي دعاكم إلى ذلك وأمركم به.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) .
قال قائلون: هو صلة قوله: (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) ؛ كأنهم سألوا مما يعودون إذا بعثوا، فقال: (كَمَا بَدَأَكُم) : خلقكم، (تَعُودُونَ) مثله.
ويحتمل أن يكون هو صلة قوله: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ، يعودون كما كانوا في البداءة: الكافر كافرًا، والمؤمن مؤمنًا.