فهرس الكتاب

الصفحة 2113 من 2149

(وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا)

يعني في الآخرة وهو قوله:

(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10)

يعني بعد ذلك الذي نزل بِهِم في الدنيا.

ثم وعظ الله هذه الأمَّةَ في تصديق النبي عليه السلام، واتباع أَمْره

وأعلم أنه قد بعث رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور فقال:

(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا) .

ومعنى أولي الألباب أصحاب العقول، وواحد أولي الألباب ذُو لُبٍّ أَي

ذو عَقْلً.

(قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا(10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)

(رَسُولًا) مَنْصوبٌ على ثلاثَةِ أوجه:

أجوَدُهَا أن يكون قَوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) دليلًا على إضمار أَرْسَلَ رَسُولَاَ يتلو عليكم.

ويجوز أن يكون يعني بقوله (رَسُولًا) النبي عليه السلام.

ويكون (رَسُولًا) ، منصوبًا بقوله (ذِكرًا) .

يكون المعنى قد أنزل الله اليكم ذِكرًا (رَسُولًا) ذَا ذِكْرٍ رسولًا يتلو، ويكون (رَسُولًا) بَدَلًا مِنْ ذِكرٍ، ويكون يعنى به جبريل عليه السلام.

ويكون دليل هذا القول قوله يعنى به جبريل عليه السلام: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلَى قَلْبِكَ) (1) .

ومعنى: (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان لأن

أدلة الكِفر مظلمَة غَير بَيِّنَةٍ، وأدلة الإسلام واضحة بيِّنَة.

قوله: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) .

أي رزقه اللَّه الجنة التي لا ينقطع نعيمها، ولا يزول.

ثم ذكر - جلَّ وعزَّ -

ما يدلُّ على توحيده فقال:

(1) قال السَّمين:

قوله: {رَّسُولًا} : فيه أوجهٌ، أحدُها وإليه ذهب الزجَّاج والفارسي أنه منصوبٌ بالمصدرِ المنونِ قبلَه؛ لأنه يَنْحَلُّ لحرفٍ مصدري وفعلٍ، كأنه قيل: أن ذَكرَ رسولًا، والمصدرُ المنوَّنُ عاملٌ كقولِه تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا} [البلد: 14] وقولِه:

4275 بضَرْبٍ بالسيوفِ رؤوسَ قَوْمٍ. . . أَزَلْنا هامَهُنَّ عن المَقيلِ

الثاني: أنَّه جُعِل نفسُ الذِّكْرِ مبالغةً فأُبْدِل منه. الثالث: أنَّه بدلٌ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الأول تقديرُه: أنزل ذا ذكرٍ رسولًا. الرابع: كذلك، إلاَّ أنَّ «رسولًا» نعت لذلك المحذوف. الخامس: أنه بدلٌ منه على حَذْفِ مضافٍ مِنْ الثاني، أي: ذِكْرًا ذِكْرَ رسول. السادس: أَنْ يكونَ «رسولًا» نعتًا ل ذِكْرًا على حَذْفِ مضاف، أي: ذِكْرًا ذا رسولٍ، ف «ذا رسول» نعتٌ لذِكْر. السابع: أَنْ يكونَ «رسولًا» بمعنى رسالة، فيكونَ «رسولًا» بدلًا صريحًا مِنْ غير تأويل، أو بيانًا عند مَنْ يرى جَرَيانه في النكراتِ كالفارسيِّ، إلاَّ أنَّ هذا يُبْعِدُه قولُه: «يَتْلُو عليكم» ، لأنَّ الرسالةَ لا تَتْلوا إلاَّ بمجازٍ، الثامن، أَنْ يكونَ «رسولًا» منصوبًا بفعلٍ مقدر، أي: أرسل رسولًا لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه. التاسع: أَنْ يكونَ منصوبًا على الإِغراء، أي: اتبِعوا والزَمُوا رسولًا هذه صفتُه.

واختلف الناس في «رسولًا» هل هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو القرآنُ نفسُه، أو جبريلُ؟ قال الزمخشري: «هو جبريلُ عليه السلام» أُبْدِل مِنْ «ذِكْرًا» لأنه وُصِف بتلاوةِ آياتِ اللَّهِ، فكأنَّ إنزالَه في معنى إنزالِ الذِّكْرِ فصَحَّ إبدالُه منه «. قال الشيخ:» ولا يَصِحُّ لتبايُنِ المدلولَيْنِ بالحقيقة، ولكونِه لا يكونَ بدلَ بعضٍ ولا بدلَ اشتمال «انتهى. وهذا الذي قاله الزمخشريُّ سبقه إليه الكلبيُّ. وأمَّا اعتراضُه عليه فغيرُ لازمٍ لأنه إذا بُوْلِغَ فيه حتى جُعِل نفسَ الذِّكْر كما تقدَّم بيانُه. وقُرىء» رسولٌ «على إضمار مبتدأ، أي: هو رسول.

قوله: {لِّيُخْرِجَ} متعلِّقٌ إمَّا ب» أَنْزَل «، وإمَّا ب» يَتْلو «وفاعِلُ يُخْرِج: إمَّا ضميرُ الباري تعالى المنَزِّل، أو ضميرُ الرسولِ، أو الذِّكرِ، و» مَنْ يُؤْمِنْ «هذا أحدُ المواضعِ التي رُوْعي فيها اللفظُ أولًا، ثم المعنى ثانيًا، ثم اللفظُ آخِرًا، وقد تقدَّم ذلك في المائِدة. وقد تأوَّلَ بعضُهم هذه الآية [وقال: ليس قولُه» خالدين «فيه ضميرٌ عائدٌ على» مَنْ «إنما يعود على مفعولِ» يُدْخِلْه «، و» خالدين «حالٌ منه، والعاملُ فيها» يُدْخِلْه «لا فِعْلُ الشرطِ] . هذه عبارةُ الشيخِ، وفيها نظرٌ؛ لأنَّ» خالدين «حالٌ مِنْ مفعول» يُدْخِلْه «عند القائلين بالقول الأول، وكأنَّ إصلاحَ العبارة أَنْ يقالَ: حالٌ مِنْ مفعولِ» يُدْخِلْه «الثاني، وهو» جناتٍ «والخلودُ في الحقيقةِ لأصحابِها، وكان ينبغي على رأي البصريين أن يقال: خالدين هم فيها، لجريان الوصفِ على غير مَنْ هو له.

اهـ (الدُّرُّ المصُون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت