وإنما ذكر الخير وحده، ثم قال أَيُّهما يليني، لأن قد علم أَنً
الإنسان الخيرُ والشر مُعرَّضَانِ له، لا يدري إذا أَمَّ أَرْضًا أَيَلْقاه هذا أم
هذا، ومثله من كتاب اللَّه: (سَرَابِيل تَقِيكمُ الْحَرَّ) ، ولم يذكر البرد.
لأن ما وَقَى هذا وَقَى هذا.
(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
(سَدًّا) و (سُدًّا) - بالفتح والضمِ - ومعناهما واحدٌ.
وقد قيل: السد فعل الإنْسَانِ والسُّد خلقة المسدود.
وفيه وجهان: أحدهما قد جاء في التفسير، وهو أَن قومًا أرادوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سوءًا فحال اللَّه بينهم وبين ذلك فجعلوا بمنزلة من هذه حاله، فجعلوا بمنزلة من غُلَّتْ يمينه وسُدَّ
طريقه من بين يديه ومن خَلْفِهِ وَجُعِلَ على بَصَرِهِ غِشَاوة، وهو معنى
(فَأغْشَيْنَاهُمْ) .
.ويقرأ فَأعْشَيْنَاهُمْ بالعَيْن غير معجمة، فحال اللَّه بينهم وبين
رسوله وكان في هؤلاء أبو جهل فيما يُرْوَى، ويجوز أن يكون وصَفَ
إضْلاَلَهُم فقال: (إنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إلَى الأذْقَانِ) ، أي
أضللناهم فأمسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل اللَّه والسعيِ فيما
يقرب إلى اللَّهِ (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) ، كما
قال: (خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوِبهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) الآية.
والدليل على هذا قوله:(وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا
يُؤمِنُونَ)، لأن من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الِإنذار.
(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ(11)