فهرس الكتاب

الصفحة 1493 من 2149

سُورَةُ النُّور

(مدنية)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قوله عزَّ وجلَّ: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)

القراءة الرفعُ، وقرأ عيسى بنُ عُمَر (سُورَةً) بالنصْب (1) .

فأمَّا الرفع فَعلى إضمار هذه سُورَة أَنْزَلْنَاهَا، ورفعها بالابتداء قبيخ لأنها نَكِرَة و (أَنْزَلْناهَا) صفة لها. والنصْب على وَجْهَيْن، على معنى أنزلنا سُورَةً، كما تقول زيدًا ضربته، وعلى معنى اتْلُ سُورَةً أنزلناها.

(وَفَرَضْنَاهَا) .

بتخفيف الراء، ويقرأ بالتشديد في الراء، فمن قرأ بالتخفيف فَمَعْنَاهُ

ألزمناكم العَمَل بما فُرِضَ فيها، ومن قرأ بالتشْدِيد فَعَلَى وجهين:

أحدهما على معنى التكثير، على معنى أنا فَرَضْنَا فيها فُرُوضًا كثيرةً وعلى معنى بيَّنَّا وفضلنَا ما فيها من الحلال والحرام.

وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2)

القراءة الرفع، وقرأ عيسى بنُ عُمرَ بالنصب، (الزانيةَ والزانِي) بفتح التاء.

وزعم الخليل وسيبويه أن النصب المختارُ وزعم سيبويه أن القراءة الرفع.

وزعم غيرهم من البصريين والكوفيين أن الاختيار الرفعُ، وكذا هُو عِندي، لأن الرفع كالإجماع في القراءة، وهُوَ أَقْوَى فِي العربيَّةِ، لأن معناها معنى - من زَنَى

(1) قال السَّمين:

قوله: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} : يجوزُ في رَفْعِها وجهان. أحدهما: أن يكونَ مبتدأً. والجملةُ بعدَها صفةٌ لها، وذلك هو المُسَوِّغ للابتداءِ بالنكرةِ. وفي الخبرِ وجهان، أحدُهما: أنَّه الجملةُ مِنْ قولِه: {الزانية والزاني} وإلى هذا نحا ابنُ عطية، فإنه قال: «ويجوز أن يكونَ مبتدأً. والخبرُ {الزانية والزاني} وما بَعد ذلك. والمعنى: السورةٌ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوْضَةُ كذا وكذا؛ إذ السورةُ عبارةٌ عن آياتٍ مسرودةٍ لها بَدْءٌ وخَتْم» . والثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ أي: فيما يُتْلَى عليكم سورةٌ، أو فيما أَنْزَلْنا سورةٌ.

والوجهُ الثانِي مِنَ الوجَهين الأَوَلَيْن: أَنْ يكونَ خبرُ المبتدأ مضمرًا أي: هذه سورةٌ. وقال أبو البقاء: «سورةٌ بالرفع على تقديرِ: هذه سورةٌ، أو مِمَّا يُتْلى عليك سورةٌ فلا تكونُ» سورةٌ «مبتدأَةً لأنها نكرةٌ» . وهذه عبارةٌ مُشكلة على ظاهِرها. كيف يقول: لا تكونُ مبتدأً مع تقديرِه: فيما يُتْلى عليك سورةٌ؟ وكيف يُعَلِّلُ المنعَ بأنها نكرةٌ مع تقديرِه لخبرِها جارًَّا مُقَدَّمًا عليها، وهو مُسَوِّغٌ للابتداء بالنكرة.

وقرأه العامَّةُ بالرفعِ على ما تقدَّم. وقرأ الحسن بن عبد العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهدٌ وأبو حيوة في آخرين «سورةً» بالنصبِ. وفيها أوجهٌ، أحدها: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ غير مفسَّرٍ بما بعدَه. تقديره: اتْلُ سورةً أو اقرأ سورةً. والثاني: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره ما بعده. والمسألةُ من الاشتغال. تقديرُه: أَنْزَلْنا سورةً أنزلناها. والفرقُ بين الوجهين: أنَّ الجملةَ بعد «سورةً» في محلِّ نصبٍ على الأول، ولا محلَّ لها على الثاني. الثالث: أنها منصوبةٌ على الإِغراء، أي: دونَكَ سورةً. قال الزمخشري، ورَدَّه الشيخُ: بأنه لا يجوزُ حَذْفُ أداة الإِغْراءِ، واستشكل الشيخُ أيضًا على وجهِ الاشتغالِ جوازَ الابتداءِ بالنكرةِ من غيرِ مُسَوِّغٍ. ومعنى ذلك: أنه ما مِنْ مَوْضع يجوز [فيه] النصبُ على الاشتغالُ إلاَّ ويجوز أن يُرْفَعَ على الابتداءِ، وهنا لو رُفِعَتْ «سورة» بالابتداءِ لم يَجُزْ؛ إذ لا مُسَوِّغٍ. فلا يُقال: رجلًا ضربتُه لامتناعهِ: رجلٌ ضربتُه. ثم أجاب: بأنه إنْ اعتُقد حَذْفُ وصفٍ جاز، أي: سورة مُعَظَّمة أو مُوَضَّحة أَنْزَلْناها، فيجوزُ ذلك.

الرابع: أنَّها منصوبةٌ على الحال مِنْ «ها» في «أَنْزِلْناها» . والحالُ من المكنى يجوز أن تتقدَم عليه. قاله الفراء. وعلى هذا فالضميرُ في «أَنْزَلْناها» ليس عائدًا على سورة بل على الأحكام. كأنه قيل: أَنْزلنا الأحكامَ سورةً مِنْ سُوَرِ القرِآن، فهذه الأحكامُ ثابتةٌ بالقرآنِ، بخلافِ غيرِها فإنَّه قد ثَبَتَتْ بالسُّنة.

قوله: {وَفَرَضْنَاهَا} قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديدِ. والباقون بالتخفيف. فالتشديد: إمَّا للمبالغةِ في الإِيجاب وتوكيدًا، وإمَّا لتكثير المفروض عليهم، وإمَّا لتكثيرِ الشيءِ المفروض. والتخفيفُ بمعنى: أَوْجَبْناها وجعلناها مقطوعًا بها.

اهـ (الدُّرُّ المصُون)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت